في القاهرة القديمة، وتحديدًا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ظهرت مهنة غريبة ربما تبدو اليوم أقرب إلى الحكايات منها إلى الواقع، وهي مهنة «بائع الظل». كان صاحب هذه المهنة يقف في الأسواق والميادين المزدحمة، وحين يرغب أحد المارة — ولا سيما من الأعيان والأفندية — في السير بعيدًا عن حرارة الشمس، يستأجره ليمشي إلى جواره حاملًا المظلة أو جارًّا إياها فوق رأسه. وكان الرجل يقضي ساعات طويلة تحت الشمس، بينما يمنح غيره الظل والراحة. والمفارقة التي جعلت هذه المهنة مثيرة للدهشة أن بائع الظل كان يعيش هو نفسه في المكان الذي يحاول أن يحمي الآخرين منه؛ يبيع الظل ولا يستطيع أن يشتريه لنفسه، ويعود في نهاية يومه بأجر محدود يكاد يكفي قوته. ومع تغير الحياة وانتشار المظلات الشخصية ووسائل النقل الحديثة اختفت المهنة من الشوارع، لكن المفارقة بقيت، وربما وجدت لنفسها صورة أخرى في زمننا الحاضر.
في العراق، يمكن أن نجد «بائع ظل» من نوع آخر، لا يحمل مظلة فوق رأس أحد، ولا يقف في سوق القاهرة، وإنما يقف أمام صندوق الاقتراع. إنه الناخب العراقي الذي يدخل موسم الانتخابات محمَّلًا بالأمل والحاجة والأسئلة، وتأتي إليه الأحزاب والقوى السياسية بوعود تشبه المظلات: وظيفة لمن يبحث عن العمل، وخدمة لمن فقد الخدمة، وإصلاح لمن أنهكه الفساد، ومشروع لمن ينتظر مشروعًا، وكهرباء لمن أتعبته العتمة، وكرامة لمن شعر طويلًا أن المواطن آخر من يُلتفت إليه. وفي لحظة الانتخابات يصبح صوت المواطن أثمن ما لديه، فيمنحه لمن يعتقد أنه سيحمله من الشمس إلى الظل، ثم تنتهي الانتخابات، وتُغلق الصناديق، وتُعلن النتائج، وتختفي المظلات، ويبقى المواطن في المكان نفسه، يركض حافيًا تحت شمس الواقع.
ليس في الانتخاب ما يدعو إلى النقد، فالانتخاب حق سياسي، والصوت وسيلة من وسائل المشاركة والمساءلة، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول حاجة المواطن إلى مادة للاستثمار السياسي، وعندما يصبح المواطن مهمًا في يوم الاقتراع فقط، ثم يعود بعد ذلك إلى الهامش. والأخطر من ذلك أن تتحول الانتخابات إلى سوق تُشترى فيه الثقة بالمال أو الوعد أو الوظيفة أو المنفعة الشخصية، فيصبح الصوت — الذي يُفترض أن يكون أداة لبناء الدولة — وسيلة لإعادة إنتاج منظومة المصالح نفسها. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بمن فاز في الانتخابات، وإنما بما إذا كان المواطن قد حصل بعد الانتخابات على الدولة التي وُعد بها أم أنه اكتشف أن المظلة لم تكن له أصلًا.
الفساد في هذه الحالة ليس مجرد رقم في تقرير أو ملف قضائي أو صفقة مشبوهة، وإنما يصبح طريقة في إدارة العلاقة بين المواطن والدولة. عندما يحتاج المواطن إلى واسطة للحصول على حقه، وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى باب للولاءات، وعندما تصبح بعض مؤسسات الدولة ساحات نفوذ للقوى السياسية، وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يعمل بالطريقة نفسها على الجميع، فإن المشكلة تتجاوز الفساد المالي لتصل إلى معنى الدولة نفسها. وحينها يبدأ المواطن بالسؤال: «من أعرف؟» بدل أن يسأل: «ما حقي؟»، ويبحث عن الشخص بدل المؤسسة، وعن الواسطة بدل القانون، وعن النفوذ بدل العدالة.
وهنا يصبح نقد الأحزاب السياسية ضرورة عندما تتحول بعض القوى الحزبية من مؤسسات تتنافس على خدمة المجتمع إلى شبكات نفوذ تبحث عن السيطرة على مفاصل الدولة. الحزب السياسي في ذاته ليس مشكلة، بل هو جزء طبيعي من الحياة السياسية، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح المنصب العام حصة حزبية، والمؤسسة العامة مجالًا للنفوذ، والمال العام وسيلة لبناء الولاءات. عندها يصبح المواطن هو الطرف الأضعف في المعادلة؛ فهو يملك صوتًا في يوم واحد، بينما تمتلك شبكات المصالح قدرة على التأثير في مؤسسات الدولة لسنوات.
وليس من الإنصاف أن نضع جميع الأحزاب أو السياسيين في سلة واحدة من دون دليل، فالفساد قضية تحتاج إلى وثيقة وقرينة وحكم قضائي أو تقرير رقابي موثوق، لا إلى إطلاق الاتهامات. لكن في الوقت نفسه، ليس من المقبول أن يتحول شعار مكافحة الفساد إلى لافتة انتخابية موسمية، بينما تبقى أسباب الفساد قائمة. فالمشكلة لا تُعالج بالشعارات، وإنما بمؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء قادر على محاسبة المتورطين، وشفافية في المال العام، وقواعد واضحة تمنع تضارب المصالح، ومواطن يعرف أن صوته لا ينتهي مفعوله بمجرد وضعه في الصندوق.
وتكشف المؤشرات الدولية حجم التحدي. فقد حصل العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 على 28 نقطة من أصل 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة، مع استمرار تحديات مؤسسية أمام مكافحة الفساد. وهذه المؤشرات لا تعني أن كل مسؤول فاسد أو أن كل حزب فاسد، لكنها تقدم صورة عن البيئة العامة التي تعمل فيها مؤسسات الدولة وعن مستوى الثقة والنزاهة المدركة في القطاع العام. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى مواطن ضعف في الحوكمة، ولا سيما في الإنفاق العام وبعض القطاعات الحيوية، وربط جزءًا من مشكلات الحوكمة بترتيبات سياسية ومؤسسية أفرزت أشكالًا من استغلال مؤسسات الدولة لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا هو: لماذا يبقى المواطن العراقي تحت الشمس؟ هل المشكلة في أنه لا يملك مظلة، أم أنه ظل يمنح مظلته للآخرين؟ هنا يجب ألا نضع كل المسؤولية على السياسي؛ فالمواطن أيضًا يستطيع أن يرفض تحويل صوته إلى سلعة، وأن يسأل عن البرنامج بدل الصورة، وعن الإنجاز بدل الخطاب، وعن سجل المرشح بدل وعوده، وأن يتابع من انتخبه بعد وصوله إلى المنصب، لأن الديمقراطية لا تبدأ وتنتهي خلف ستارة الاقتراع، وإنما تبدأ هناك وتستمر بالمساءلة.





