الديمقراطية تقوم على تعدد الآراء وحق الاختلاف، مع احترام الآخر والاحتكام إلى الحوار والقانون
زاكروس - أربيل
ينبغي أن نعمل جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، على نشر ثقافة المحبة والسلام والتسامح، وترسيخ قيم الاحترام وقبول الآخر، والابتعاد عن جميع أشكال خطاب الكراهية والتحريض والعنف اللفظي والمعنوي. فالكلمات لا تنتهي بانتهاء لحظة إطلاقها، بل قد تترك آثارًا عميقة في النفوس، وتؤثر في العلاقات الاجتماعية، وتنعكس على استقرار المجتمع وأمنه. ومن هنا، فإن التعامل مع الخطاب العام، ولا سيما الخطاب السياسي والإعلامي، يتطلب وعيًا كبيرًا بحجم المسؤولية المترتبة على كل كلمة وموقف.
إن خطاب الكراهية لا يقتصر أثره على الإساءة إلى فرد أو جماعة، بل قد يتحول إلى عامل يهدد السلم الأهلي والمجتمعي، ويسهم في تعميق الانقسامات، وإثارة مشاعر العداء، وتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع العراقي. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تسمح بتطبيع لغة التحريض والتخوين والإقصاء تصبح أكثر عرضة للتوتر والصراع، بينما تستطيع المجتمعات التي تعتمد الحوار والاحترام أن تتجاوز أزماتها وتحافظ على وحدتها وتماسكها.
وحقيقةً، فإن حرية التعبير عن الرأي حق أساسي كفله دستور جمهورية العراق لعام 2005، إذ نصت المادة (38) على ضمان حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والإعلام والنشر. وتُعد هذه الحرية من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، لأنها تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم ومواقفهم، ومناقشة القضايا العامة، وانتقاد أداء المؤسسات والمسؤولين، والمشاركة في صناعة القرار ومراقبة الشأن العام.
غير أن ممارسة هذا الحق لا تنفصل عن المسؤولية، فحرية التعبير لا تعني التجاوز على الآخرين أو قذفهم أو التشهير بهم أو الإساءة إلى كرامتهم وسمعتهم، كما لا تعني نشر الأخبار الكاذبة أو المعلومات المضللة أو التحريض على العنف والكراهية. فالحرية الحقيقية لا تقوم على الفوضى، وإنما تستند إلى احترام القانون وحقوق الآخرين، وإلى إدراك أن لكل إنسان حقًا في الكرامة والخصوصية والسلامة النفسية والاجتماعية.
ومن الضروري التمييز بين النقد المسؤول والإساءة المتعمدة. فالنقد حق مشروع ووسيلة مهمة لتصحيح الأخطاء وتقويم الأداء، لكنه ينبغي أن يكون قائمًا على الحقائق والأدلة، وأن يتناول الأفكار والسياسات والممارسات، لا أن يتحول إلى استهداف شخصي أو انتقاص من الكرامة. أما التشهير والاتهام غير المستند إلى دليل، واستخدام العبارات المهينة، فهي ممارسات لا تخدم الحقيقة ولا الإصلاح، بل تزيد الاحتقان وتغلق أبواب الحوار.
ومن المؤسف أن نرى أحيانًا بعض المسؤولين والمتصدين للمشهد السياسي يستخدمون لغة خطاب قاسية أو عبارات قد تسهم في تأجيج الخلافات وتعميق الانقسام المجتمعي، في وقت يفترض أن يكون فيه الخطاب السياسي أكثر هدوءًا واتزانًا، وأن يسهم في تقريب وجهات النظر ومعالجة المشكلات، لا في زيادة التوتر بين أبناء الشعب الواحد. فالمسؤول السياسي لا يتحدث بصفته الشخصية فقط، بل يمثل مؤسسة أو تيارًا أو شريحة من المجتمع، ولذلك فإن كلماته قد تُفهم على نطاق واسع، وقد تؤثر في سلوك الجمهور ومواقفه.
إن الخطاب السياسي الرشيد لا يعني إخفاء المشكلات أو تجميل الواقع، بل يعني طرح القضايا بوضوح وشجاعة، مع تجنب التعميم والتخوين والإقصاء. كما يعني الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، والابتعاد عن تحويل المنافسة السياسية إلى صراع اجتماعي أو طائفي أو مناطقي. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون لغة السياسيين عامل تهدئة وتقريب، وأن تركز على الحلول والبرامج والمصلحة العامة، بدلًا من استثمار الانفعالات وإثارة المخاوف.
فالمسؤولية تقتضي من الشخصيات السياسية والعامة أن تكون أكثر حرصًا في اختيار مفرداتها، لأن كلماتها تصل إلى شريحة واسعة من المواطنين، وقد تترك تأثيرًا كبيرًا في الرأي العام والمجتمع. كما تقتضي من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أن تتعامل مع التصريحات والمواقف بوعي ومهنية، وأن تتجنب نشر العبارات التحريضية أو اجتزائها من سياقها بطريقة تزيد التوتر وتوسع دائرة الخلاف.
ولا تقل مسؤولية المواطنين أهمية عن مسؤولية المسؤولين والشخصيات العامة. فكل فرد يمتلك اليوم قدرة كبيرة على النشر والتأثير من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تنتشر كلمة أو صورة أو تعليق خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص. لذلك ينبغي التأكد من صحة المعلومات قبل تداولها، وتجنب إعادة نشر الشائعات، وعدم المشاركة في حملات الإساءة أو التنمر أو التحريض، واحترام خصوصية الآخرين وحقوقهم، حتى عند الاختلاف معهم.
كما أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو إساءة شخصية، فالديمقراطية تقوم على تعدد الآراء وحق الاختلاف، مع احترام الآخر والاحتكام إلى الحوار والقانون. وليس من الضروري أن نتفق جميعًا في الرؤى والمواقف، لكن من الضروري أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وكيف نناقش القضايا دون أن نهدم جسور التواصل بيننا.





