تعدد الآراء يمثل أحد مظاهر الحياة الديمقراطية السليمة
من المؤسف أن نشهد بين الحين والآخر صدور خطابات تحمل الكراهية والتحريض من بعض المسؤولين والسياسيين، أو من بعض المتصدين للمشهد السياسي والإعلامي في العراق، في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى خطاب وطني مسؤول، يسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز الثقة بين أبناء المجتمع.
إن خطاب الكراهية، بمختلف أشكاله وصوره، مرفوض رفضًا قاطعًا؛ لأنه لا يبني وطنًا ولا يعالج مشكلة، بل يزرع الفرقة ويعمّق الخلافات ويهدد السلم الأهلي والمجتمعي. فالكلمة مسؤولية، وكل من يمتلك منبرًا إعلاميًا أو سياسيًا ينبغي أن يدرك أن ما يقوله قد يؤثر في الرأي العام، وقد يترك آثارًا تتجاوز حدود اللحظة التي قيل فيها.
ومن هنا، تبرز أهمية دور الجهات المختصة والرقابية المعنية بالإعلام، في التعامل بحزم مع الخطابات التي تتجاوز القانون أو تحرض على الكراهية والعنف والتمييز، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق من يثبت تجاوزه، وفقًا للدستور والقوانين النافذة، وبما يضمن في الوقت نفسه حرية التعبير المسؤولة التي كفلها الدستور العراقي.
إن الاختلاف في الآراء والمواقف السياسية أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، بل إن تعدد الآراء يمثل أحد مظاهر الحياة الديمقراطية السليمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إساءة، أو تحريض، أو تخوين، أو محاولة لإلغاء الآخر ورفض حقه في التعبير.
لذلك، ينبغي أن تكون الحوارات السياسية والإعلامية بعيدة كل البعد عن الأهواء والتشنجات والتطلعات التي تزرع الانقسام بين أبناء الشعب الواحد، وأن تقوم على الحوار الهادئ واحترام الآخر والاحتكام إلى الدليل والقانون. فثقافة تقبل الرأي والرأي الآخر ليست ترفًا سياسيًا، وإنما هي من أهم أسس الديمقراطية، وهي الطريق الذي يمكن من خلاله إدارة الاختلاف بصورة حضارية ومسؤولة.
العراق بلد متعدد المكونات والأطياف، وقد كان على امتداد تاريخه ملتقى للحضارات والثقافات والقيم الإنسانية. ولذلك فإن الحفاظ على وحدته الاجتماعية والوطنية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، ولا سيما أصحاب القرار وأصحاب المنابر السياسية والإعلامية والثقافية.
إن نشر المحبة والسلام والمودة بين أبناء المجتمع، وتعزيز لغة التسامح والتفاهم، من شأنه أن يحافظ على وحدة النسيج الاجتماعي ويصون اللحمة الوطنية، ويمنع الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية من التغلغل في المجتمع.
كما أن الارتقاء بالمستوى الثقافي والفكري في البلاد يتطلب تشجيع الحوار البنّاء، واحترام التنوع، والابتعاد عن كل ما يسيء إلى الآخرين أو يهدد السلم المجتمعي. فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يخلو من الاختلاف، وإنما ذلك الذي يمتلك القدرة على إدارة اختلافاته بالحوار والقانون والحكمة.



