ليست كل العقول تخاف الحقيقة، ولكن كل عقلٍ استراح إلى الوهم يخاف من يوقظه. فالإنسان لا يقاتل دائمًا ما هو باطل، بل كثيرًا ما يقاتل ما يهدد يقينه، حتى وإن كان ذلك اليقين قائمًا على الرمال.
ولهذا لم يكن تاريخ الوعي تاريخًا من الصراع بين الحق والباطل فحسب، بل كان -في جانب كبير منه- صراعًا بين من يرى أن العقل خُلق ليسأل، ومن يرى أنه خُلق ليكرر. بين من يؤمن أن الشك المنهجي طريقٌ إلى اليقين، ومن يتصور أن اليقين الحقيقي هو أن تغلق عينيك، ثم تسمي ذلك إيمانًا أو حكمة.
لقد لاحظت أن بعض الناس لا يغضبون من الفكرة لأنها خاطئة، بل لأنها أيقظت سؤالًا كانوا قد دفنوه منذ زمن. فهم لا يناقشون البرهان، بل يحاكمون الجرأة على طرحه. وكأن المشكلة ليست فيما قيل، وإنما في أنه قيل أصلًا.
وهذه ظاهرة قديمة قدم الإنسان؛ لأن العقول الكسولة لا ترى في السؤال بابًا إلى المعرفة، وإنما ترى فيه تهديدًا للاستقرار النفسي الذي صنعته لنفسها. فهي تخلط بين الطمأنينة والجمود، وبين السكينة والخمول، وبين اليقين والتقليد.
إن العقل المتحجر لا يخاف الكذب، لأنه اعتاد التعايش معه ما دام لا يزعجه، ولكنه يخاف الحقيقة؛ لأن الحقيقة تطالبه أن يعيد ترتيب عالمه كله. والوهم لا يحتاج إلى أدلة، بل يحتاج إلى عادة، فإذا طال عليه الزمن لبس ثوب المقدسات، وصار الاقتراب منه جريمة.
ولهذا كلما دعوت إلى الوعي، قالوا: أنت تزرع الشك. وكلما دعوت إلى التثبت، قالوا: أنت تهدم الثقة. وكلما دعوت إلى التفكير، قالوا: أنت تفسد الناس. وكأن الإنسان عندهم لا يجوز له أن يستعمل عقله إلا إذا انتهى إلى النتيجة التي يريدونها.
إنهم يريدون ثقةً بلا معرفة، ومحبةً بلا بصيرة، ويقينًا بلا امتحان. وهذه ليست فضائل، بل أشكال مهذبة من الاستسلام.
أنا لا أدعو إلى أن يشك الرجل في كل فكرة مألوفة كما يحصل بين شك الرجل بالمرأة، ولا أن تشك المرأة في كل رجل؛ لأن هذا ظلم يناقض العقل قبل الأخلاق. وإنما أدعو إلى أن تُبنى الثقة على المعرفة، لا على الأماني، وأن يُوزن الإنسان بأفعاله لا بصورته، وبسلوكه لا بشعاراته.
وهنا يبدأ الخوف. فالوعي يسلب الخداع أهم أسلحته: السذاجة. والعقل يسلب المتلاعب أهم أدواته: التصديق الأعمى.
ولذلك فإن كل مشروع يقوم على استغلال الناس، لا يخشى السلاح كما يخشى الوعي؛ لأن السلاح يواجه الجسد، أما الوعي فيواجه الفكرة التي يعيش عليها المستغِل.





