الفريق الركن محمد العسكري
ترتكز استراتيجية الإنهاك على إدارة حرب تعتمد بالدرجة الأساسية على الاستنزاف الاقتصادي وموارد الطاقة وما يتبعها من مواد تموينية، عبر زمان ومكان محددَين من قبل الطرف الذي ينفذ غاية هذه الحرب. ولكن ثمة تحدياً جدياً يواجه هذا الأسلوب من الصراع، يتمثل في عدم القدرة على التنبؤ أو معرفة أي الأطراف سينهك أولاً: المهاجم أم المدافع؟
وتكون حرب الإنهاك دائماً حرباً مزدوجة لكلا الطرفين؛ إذ تراهن الأطراف المتنازعة على عامل الزمن، واقتصادها، ومدى قدرتها على المحافظة على الموارد الأساسية، وتطبيق الصمود، مع البحث المستمر عن النقاط الرخوة في استراتيجية الخصم. وقد عملت إيران على استغلال الثغرات والفجوات في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، وقامت بفتح أكثر من جبهة في هذا المجال؛ وخير مثال على ذلك استهداف خط أنبوب "شرق-غرب" السعودي الذي ينقل البترول من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.
وتُستخدم عادةً استراتيجية الإنهاك كـ "استراتيجية المضطر" الذي تقلصت خياراته العسكرية وقدرته على شن حرب حاسمة، فيضطر إلى هذا الأسلوب لإضعاف خصمه. والفرق بين "الإرهاق" و"الاستنزاف" أن الإرهاق يُطبق بواسطة الحرب غير النظامية (الهجينة)، وهذا ما يحدث في الصراع القائم الآن بين أمريكا وإيران، بينما يُطبق الاستنزاف عادةً في الحرب النظامية. لذلك نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت الأسلوبين في هذا المجال، إذ تسعى إلى المناوشات بدلاً من السعي إلى معركة برية حاسمة على السواحل الجنوبية والغربية لإيران؛ لأنها تدرك أن ذلك سيكلفها كثيراً، ولا سيما أن طبوغرافية الأراضي الإيرانية وعرة وصعبة، والقتال فيها يكون شرساً وغير مضمون النتائج.
ويمكن اعتبار الإنهاك شكلاً من أشكال الاستنزاف المعنوي، مثل استنزاف المواطنين والضغط عليهم، وانخفاض قيمة العملة، والنقص الحاد في المواد الأساسية للبلد المستهدف، وهذا ما حصل في إيران مؤخراً عندما انخفضت العملة الإيرانية (الريال) إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار الأمريكي.
غير أن هناك حقائق تؤكد أن الإنهاك يزيد من فعالية المدافع أكثر من المهاجم؛ فمهام المهاجم تكون أصعب؛ لأن المدافع يمتلك مزايا مختلفة، إذ يستفيد من عامل الصمود، وطبوغرافيا الأرض، واحتياطاته داخل بلده، فضلاً عن ثبات مؤسساته وتوفر المؤن والإمدادات والذخائر الاحتياطية التي تساعده على الثبات، ولذلك يكون عامل الزمن في صالحه. أما المهاجم، فقد يعاني عند تطبيق الحصار والإنهاك؛ إذ يكون في حالة إرهاق ومراقبة مستمرة لتنفيذ الحصار وتطبيق العقوبات، مما يستلزم جهوداً حثيثة وقطعات كبيرة، كما يحدث الآن في الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بدأ بغلق بحر العرب رداً على إغلاق إيران لمضيق هرمز للضغط بسياسة الإنهاك، فقابَلَتها أمريكا بغلق بحر العرب لمنع إيران من تصدير النفط ووصول الإمدادات إليها.
ولن تكتفي الولايات المتحدة بهذا القدر، بل وسّعت عملية الإنهاك بفرض حصار جوي على الطائرات الإيرانية، وهددت فرض عقوبات على الشركات التي تقدم الخدمات اللوجستية للطائرات الإيرانية في مطاراتها، مما أثر بشكل كبير على الاقتصاد وحركة الطيران الإيراني. كما أصدرت حزمة واسعة من العقوبات على شركات وأشخاص في مختلف دول العالم (خاصة في الصين والعراق والهند وتركيا وغيرها من الدول التي تعتقد وزارة الخزانة الأمريكية أنها تساهم في دعم الاقتصاد الإيراني)؛ فالمهاجم يحتاج إلى "مطرقة" مستمرة ومحكمة لتنفيذ خططه.
في المقابل، يستغل المدافع هذا المجال لتطوير إمكانياته الذاتية، ولا سيما الأسلحة التي تساعده على فك الحصار. وكما أُعلن مؤخراً، فقد استطاعت إيران تطوير نوع من الصواريخ الباليستية لاستهداف حاملات الطائرات، لذا نجد أن حاملات الطائرات الأمريكية في بحر العرب والمحيط الهندي في حركة مستمرة، وتخضع لعمليات تبديل دورية.
ويمكن أن يتخذ الإنهاك عدة أشكال؛ فالمعروف عنه مثلاً الحظر والحصار، وهو ما يُطبّق حالياً بفرض حظر وحصار على الأصول الإيرانية (الأموال المجمدة) وعلى سواحلها وأجوائها، بل ووصل في بعض الأحيان إلى طرقها البرية. كما استخدمت الولايات المتحدة أسلوب الإنهاك والاستنزاف عبر تفعيل بعض حلفائها/عملاؤها داخل إيران؛ إذ نلاحظ بين فترة وأخرى قيام عناصر مسلحة بمهاجمتها بعض نقاط الشرطة والقوات الأمنية في مناطق متفرقة، وهو ما تصرح به وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية.
ومن أشكال الإنهاك أيضاً الحصار الاقتصادي لمنع دخول وخروج المواد الأساسية لسد النقص في الاحتياجات العامة، فضلاً عن التأثير على الاتصالات الخارجية ومحاولة قطع الوسائل التكنولوجية لمنع التداول داخل البلد المستهدف، وفرض قيود على البنوك المتعاونة، والعملات المشفرة، وشركات الطيران والصيرفة، وصولاً إلى الأشخاص.
وهدف هذا الحصار ذو شقين:



