سبعة أشهر مضت من العمليات العسكرية الأمريكية باتجاه إيران، لم تفلح فيها الإدارة الأمريكية في تحقيق مقاصدها المعلنة بتغيير النظام في إيران أو تغيير منهجه التوسعي، رغم الخسائر التي أوقعتها بقدرات إيران العسكرية.
منذ البداية توقعنا هذه النتيجة، وقلنا إن تغيير الأنظمة لن يتم بالضربات الصاروخية والجوية، خاصة مع دولة ذات مساحة شاسعة (1,648,195 كيلومتراً مربعاً)، وتتمدد فيها القواعد العسكرية الإيرانية على امتداد هذه المساحات مترامية الأطراف لتختفي الاستراتيجية منها (الصاروخية والنووية) تحت أعماق الجبال؛ حيث لم تستطع جميع الصواريخ المكسرة للصخور النفاذ إلى أعماقها كما كانت إدارة ترامب تأمل، في قراءة مدهشة لتوقعات غير صائبة ربما اندفعت لها بدعم وترغيب، وربما بضغط من نتنياهو وإدارته المتطرفة في إسرائيل. يتفاعل مع ذلك نظام (حديدي) إيراني لا يُستهان بقدرته واستعداده لاستخدام القوة وآلة القمع ضد من يقف بوجه في الداخل، وهناك تجارب قد ظهرت جلياً في احتجاجات شعبية شهدتها الشوارع الإيرانية في الفترات الماضية.
الآن ومنذ حوالي شهرين، بدأت الإدارة الأمريكية نظاماً عقابياً باتجاه إيران تمثل بفرض حصار اقتصادي واسع على حركة إيران الاقتصادية ليشمل سلاسل التصدير والاستيراد، الأمر الذي وجد فيه ترامب خطة فاعلة للتأثير على الوضع المعيشي والحياتي للشعوب الإيرانية، وصل إلى حد استهداف ناقلات النفط الإيرانية تحت ذريعة أن ناقلات النفط والخطوط الجوية الإيرانية تحولت إلى مصدر لتمويل الحرس الثوري الإيراني بمليارات الدولارات. ينتج عن ذلك على السطح حرب استهداف للناقلات النفطية والسفن التجارية والحربية لكلا الطرفين، وهو الأمر الذي يعكس فشل الإدارة الأمريكية في تقويض النظام عبر العمليات العسكرية، ليبقى ترامب يردد تغريداته بشأن إيقاف العمل في برامج إيران النووية، متناسياً تصريحاته السابقة بأنه استطاع تدمير القدرات البحرية والصاروخية لإيران، فضلاً عن زعمه السيطرة على مضيق هرمز، وهي التغريدات المتكررة التي ثبت عدم دقتها.
الملاحظ بوضوح أن إيران ما تزال تهدد سلاسل التجارة عبر مضيق هرمز بقدراتها البحرية والصاروخية، بل إنها تجاوزت ذلك لاستهداف القواعد الأمريكية في بلدان المحيط العربي، وتعدت ذلك إلى استهداف المنشآت النفطية والمدنية في بلدان الخليج العربي فضلاً عن الأردن وإقليم كردستان، حتى صارت بلدان الخليج والقواعد الأمريكية فيها غير قادرة على التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، والتي تتكامل معها هجمات الأذرع الإيرانية في العراق واليمن، وبالتالي فشل ضمانات الأمن الأمريكي فيها. يتكامل ذلك مع تكريس النفوذ الإيراني في كل من العراق واليمن عبر التصعيد الذي تشكله الفصائل المسلحة في العراق والحوثيون في اليمن الذين بدأوا بالتصعيد في تهديد بوابة باب المندب، الأمر الذي يفرض قواعد جديدة في الاشتباك، خاصة أن الولايات المتحدة تعلن عن النية في الانسحاب من قواعدها في العراق ومناطق أخرى، وهو ما تشدد عليه إيران باعتباره نصراً لها في مساعي تقويض الوجود الأمريكي في عموم بلدان المشرق العربي، والمقترن مع استمرار تواجدها المكثف في محيطها العربي، في الوقت ذاته الذي ما يزال فيه حزب الله يشكل عموداً في استراتيجية إيران باتجاه لبنان وعموم بلاد الشام تحت ذريعة الصراع مع إسرائيل.
تأسيساً على ما تقدم، يبرز السؤال الأهم: ما هو السيناريو الأكثر توقعاً في المستقبل القريب؟
إن رؤية فاحصة لما يجري على امتداد مساحات الإقليم الشرق أوسطي ومركز الصراع فيها تشير إلى استعدادات إيرانية لخوض معركة مواجهة متعددة الأطراف كخيار لا بد منه في مساعي الهروب من الموت الاقتصادي الذي يلاحق إيران، وهو مسار بطيء يأخذ مسافة زمنية قد لا تقل عن عقد من الزمن تتمكن فيه إيران من الصمود كما صمد العراق تحت حصار أممي شامل (رغم تفاوت القدرات) لمدة 13 عاماً، ولكنه سيترك عليها تداعيات خطيرة تهزمها من الداخل وتفكك بنيتها الاجتماعية كما حصل للعراق، لتستيقظ لاحقاً على متغير هي ليست مستعدة لانتظاره بصمت.
لذلك فإن خيار المواجهة يكون قائماً، ولكنه سيكون مواجهة شاملة تشترك فيها إيران بجميع قدراتها الذاتية وأذرعها في المنطقة، بمعنى اشتعال الساحات العراقية واللبنانية واليمنية في آن واحد، وما يعنيه ذلك من إغلاق باب المندب فضلاً عن مضيق هرمز، وإدخال سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي في أزمة حقيقية أضعاف ما هو متحقق حتى الآن.
دلائل ذلك عديدة، منها:





