بين صفقة في الجادرية واستقبال في المكتب البيضاوي.. سيرة تكنوقراطي مالي يحكم بلداً بلا كتلة برلمانية أو جناح مسلح
أكرم السياب
في القصر الرئاسي
في ظهيرة السابع والعشرين من نيسان (أبريل) عام 2026، داخل الصالة الرئاسية بالقصر الحكومي في بغداد، وقف رجل في الحادية والأربعين من عمره برداء متأنق ذي قصة حديثة يستلم مقاليد السلطة التنفيذية في البلاد. كان علي فالح كاظم الزيدي يمد يده اليمنى ليتسلم كتاب التكليف الرسمي بتشكيل الحكومة التاسعة في العراق من رئيس الجمهورية غير أن العدسات التي أضاءت القاعة التقاطاً للحظة الاستثنائية كشفت تفصيلاً بائعاً لدلالات أعمق: كانت يده اليسرى تطوق سبحة صفراء مصنوعة من حجر الكَهْرَب، تفرك حباتها بحركة متواترة تحت أضواء الفلاشات.
في تلك اللحظة، لم يكن الزيدي يمثل الامتداد التقليدي للطبقة السياسية التي أدارت البلاد طوال عقدين. لم يخرج الرجل من معتقلات النظام السابق، ولم يقضِ شبابه في منافي المعارضة، بل جاء حاملاً شهادات في القانون والعلوم المالية والمصرفية، وسجلاً من إدارة المجموعات القابضة والبنوك الخاصة. كان أصغر رئيس وزراء يتولى هذا المنصب في تاريخ العراق الحديث، وأول من يصل إلى الكرسي من أروقة القطاع الخاص مباشرة.
لكن طريق الزيدي إلى الصالة الرئاسية لم يُعبد عبر صناديق الاقتراع أو الكتلة النيابية الأكبر التي يمتلكها باسمه، بل صِيغ في جلسة مغلقة لم تتجاوز مدتها خمس وعشرين دقيقة.
صفقة الـ 25 دقيقة
في ليلة السابع والعشرين من نيسان، وفي مجمع منازل قادة الحشد الشعبي بحي الجادرية ببغداد، ساد الوجوم أروقة الاجتماع المغلق لـ "الإطار التنسيقي" — التكتل الشيعي الأكبر في البرلمان. كانت المهلة الدستورية لتسمية رئيس الوزراء تدنو من نفادها، وسط تهديدات صريحة وردت من واشنطن بتقييد تدفقات العملة الصعبة من حسابات النفط العراقي المودعة لدى البنك الفيدرالي في نيويورك إذا ما أُعيد تنصيب وجوه سياسية بارزة فرضت واشنطن في وقت سابق فيشاً ضدها.
تراجع نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون، عن ترشحه بعد أن بدا أن وصوله سيضع البلاد في مواجهة مالية مع الإدارة الأمريكية، كما تنازل رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني عن الترشح مجدداً. في تلك الغرفة المغلقة، كان المطلوب حلاً تكتيكياً يقدم للشارع ولواشنطن واجهة جديدة، دون أن يثير خوف أيٍّ من أقطاب "الإطار" الثمانية.
وقع الاختيار على علي الزيدي. كان الرجل يجلس في غرفة مجاورة حين أُبلغ بالقرار. وافق الأقطاب السياسيون عليه تحديداً لأنه لا يمتلك كتلة نيابية باسمه، ولا يحرك فصيلاً مسلحاً على الأرض.
دفاتر التاجر ودفاتر السلطة
ولد علي الزيدي في بغداد لأسرة تعود أصولها إلى محافظة ذي قار في جنوب العراق. ونشأ في بيئة عائلية أسست لنفوذ تجاري ومالي واسع. فبينما غرس والده الحاج فالح كاظم الزيدي الأسس الأولى لأعمال العائلة، تمدد الأبناء في مجالات متعددة: تولى الشقيق حسن الزيدي إدارة مجلس إدارة "قناة دجلة الفضائية" لتوفير الذراع الإعلامية، بينما برز ابن العم (أو الشقيق) النائب ضياء الزيدي في البرلمان متولياً في الوقت نفسه ملكية "مصرف الجنوب الإسلامي".
خاض علي الزيدي مساراً تعليمياً وتنفيذياً مزدوجاً؛ حصل على بكالوريوس في القانون وبكالوريوس وماجستير في العلوم المالية والمصرفية، وانضم إلى نقابة المحامين العراقيين. وفي عالم الأعمال، أدار "مجموعة الأويس التجارية" التي تنضوي تحتها 15 شركة متخصصة في المقاولات والخدمات اللوجستية والتجارة بين بغداد ودبي، وتولى رئاسة مجلس إدارة "الشركة الوطنية القابضة"، و"جامعة الشعب"، و"معهد عشتار الطبي"، فضلاً عن شبكة هايبرماركت "التعاون" في بغداد.
إلا أن المحطة المالية الأكثر إثارة للجدل في مسيرته كانت ترأسه السابق لمجلس إدارة "مصرف الجنوب الإسلامي"، وهو أحد أكبر المصارف الخاصة في العراق برأس مال يبلغ 510 مليارات دينار عراقي.
في شباط (فبراير) 2024، أقدم البنك المركزي العراقي — بإيعاز ومتابعة من وفد رفيع من الخزانة الأمريكية زار بغداد — على منع مصرف الجنوب وسبعة مصارف أخرى من إجراء المعاملات بالدولار الأمريكي. جاء القرار للحد من عمليات تهريب العملة وغسيل الأموال وتتبع تدفقات مالية يُشتبه بذهابها لصالح كيانات في إيران أو جماعات مسلحة خاضعة للعقوبات.



