لم يعد السؤال في العراق اليوم: هل تستطيع الدولة أن تحصر السلاح بيدها أم لا؟ بل أصبح السؤال أكثر خطورة ووضوحاً: ماذا ستفعل الدولة إذا رفضت القوى المسلحة أن تعود إلى القانون؟
إن 30 أيلول 2026 لم يعد مجرد تاريخ على روزنامة سياسية، بل تحول إلى نقطة اختبار حقيقية لمفهوم الدولة العراقية نفسه. فالحكومة أعلنت أن حصر السلاح بيد الدولة مسار سيادي، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الدستورية وحدها، كما أكدت أن مرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي ستشهد تسارعاً في حسم الملف.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن الدولة لا تستطيع أن تكون دولة كاملة إذا كانت هناك قوة تمتلك السلاح والقرار السياسي والقدرة على استخدام القوة خارج منظومتها القانونية. ولا يمكن أن يكون هناك جيشان داخل دولة واحدة، ولا قراران للحرب والسلم، ولا سيادتان، ولا مرجعيتان للأمن الوطني.
لقد أصبح العراق أمام معادلة تاريخية بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: إما أن يكون السلاح للدولة، أو أن تصبح الدولة شريكاً في السيادة مع السلاح خارجها.
وهذه ليست معركة ضد مكوّن عراقي، ولا ضد طائفة، ولا ضد عقيدة دينية؛ بل هي معركة بين مفهومين للدولة: دولة تحتكر القوة وفق القانون، ودولة تتعايش مع قوى مسلحة تستطيع أن تفرض إرادتها بالقوة.
واللافت أن الخطاب الرسمي العراقي نفسه بات أكثر وضوحاً في هذه المسألة؛ فقد أكدت السلطات أن حصر السلاح لا يستهدف فصيلاً أو مكوّناً بعينه، وإنما يشمل كل سلاح خارج المؤسسات الرسمية أيّاً كانت الجهة التي تمتلكه.
لكن ماذا لو قالت بعض الفصائل: لا؟
هنا تبدأ السيناريوهات.
السيناريو الأول: الحرب الشاملة
أخطر الاحتمالات أن يتحول رفض تسليم السلاح إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة والجماعات المسلحة.
وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن بغداد تريد الحرب أو أنها تسعى إليها، بل يعني أن استمرار السلاح خارج الدولة قد يجعل الصدام نتيجة لمسار سياسي مسدود.
وفي هذه الحالة ستكون المسألة مختلفة تماماً عن أي مواجهة سابقة؛ لأن الدولة هذه المرة لا تواجه خصماً أمنياً منفصلاً عن المجتمع، وإنما تواجه تشكيلات لها امتدادات سياسية واجتماعية واقتصادية وشبكات نفوذ واسعة.
لكن هناك فارقاً جوهرياً: في السابق كانت الدولة تدخل في مواجهة مع جماعة مسلحة تحت عنوان أمني، أما في معركة حصر السلاح فإن الدولة تستطيع أن تقول إن المواجهة ـ إذا فُرِضت عليها ـ ليست حرباً على فصيل، وإنما دفاعٌ عن حق الدولة في احتكار القوة المشروعة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تقبل الفصائل أن تختبر الدولة بالقوة، وهي تعلم أن القوات الحكومية ليست وحدها في هذا الموقف؟
السيناريو الثاني: الخنق المالي والاقتصادي
إذا تحول الخلاف من حوار سياسي إلى تمرد مسلح على قرار الدولة، فقد تنتقل الأزمة من البندقية إلى المال.
وهنا يدخل العامل الأمريكي والدولي بصورة مختلفة. فالاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه النظام المالي الدولي، وتدفقات الدولار، والقنوات المصرفية الدولية. ولذلك فإن أي أزمة كبيرة بين بغداد والولايات المتحدة يمكن أن تتحول إلى ضغط مالي واقتصادي واسع.
لكن من الخطأ اختزال الأمر بالقول إن «الفيدرالي الأمريكي سيوقف الدولار للعراق» وكأن القرار إجراء آلي مباشر. المسألة أعقد من ذلك وتتعلق بالنظام المالي الدولي، والعلاقات المصرفية، والامتثال، والتحويلات، والسياسات الأمريكية تجاه المؤسسات المالية العراقية.
ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية الواضحة هي أن العراق لا يستطيع أن يتعامل مع الاقتصاد العالمي وكأنه جزيرة معزولة. ولهذا فإن من يعتقد أن بإمكانه تحدي الدولة بالسلاح وفي الوقت نفسه حماية الاقتصاد من نتائج هذا التحدي، قد يكون يقرأ نصف المشهد فقط.
السيناريو الثالث: الفوضى والصدام الداخلي
وهذا ربما يكون أخطر السيناريوهات على العراق: أن ترفض الفصائل قرار الدولة لكنها لا تدخل حرباً شاملة معها في البداية، بل تستخدم الضغط السياسي، والاستعراض المسلح، وقطع الطرق، والتهديد، والتعبئة الإعلامية، وربما الاحتكاك المحدود مع القوات الأمنية.
عندها يمكن أن يتحول العراق إلى دولة ذات مؤسسات رسمية لكنها عاجزة عن فرض قراراتها على الأرض. وهذا هو أخطر شكل من أشكال انهيار الدولة.
فالدولة لا تسقط فقط عندما يدخل جيش أجنبي عاصمتها؛ أحياناً تسقط الدولة عندما تصدر قراراً ولا يستطيع أحد تنفيذه. وعندما تصبح القوانين قابلة للتفاوض مع حامل السلاح، فإن الدستور يتحول إلى وجهة نظر، والسلاح يتحول إلى مصدر شرعية بديلة.
وهنا قد يتطور الصدام إلى مواجهة داخلية واسعة إذا وجدت القوات الحكومية نفسها مدعومة سياسياً واجتماعياً من قوى دينية ووطنية ترى أن حصر السلاح بيد الدولة ضرورة لحماية العراق.
المرجعية والصدر والسؤال الأصعب
المعادلة الجديدة قد تكون أكثر تعقيداً؛ لأن موضوع حصر السلاح لم يعد محصوراً في خطاب الحكومة وحدها، فهناك مواقف دينية ووطنية تؤكد مبدأ الدولة والقانون وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية. كما أن مقتدى الصدر عاد إلى طرح ملف حل الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة باعتباره خطوة لتجنيب العراق مخاطر أكبر، وقد وصفت جهات حكومية مبادرته بأنها أساس مهم في مسار حصر السلاح.
وهنا ستواجه الفصائل الرافضة للسلاح سؤالاً بالغ الصعوبة:
إذا كان حصر السلاح بيد الدولة ليس مشروعاً أمريكياً ولا إسرائيلياً ولا طائفياً، بل مطلب عراقي تتقاطع عليه الحكومة والمرجعية والقوى الوطنية وقوى سياسية شيعية مؤثرة، فما المبرر الذي يمكن أن تقدمه جماعة عراقية للاحتفاظ بسلاحها خارج الدولة؟





