أهمية اتفاقية الدفاع المشترك، يحمل أبعاداً أوسع من بعده العسكري البحت في خلق تحالف إقليمي
رفعت حاجي
تُعدّ اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، تحولاً استراتيجياً يهدف إلى بناء منظومة أمن إقليمي ذاتي وتقليل الاعتماد على الحماية الخارجية، وسط تأثيرات متوقعة للتيار السني، قد يعزز الدور المشترك لها بتحقيق الأهداف المطلوبة في سوريا التي خرجت من مخاض شديد خلال الحرب التي مرت بها، عبر التوجّه نحو إطار عسكري واقتصادي مشترك.
بالنظر إلى طبيعة الدول الثلاث ومكانتها وقدراتها، فالمملكة تتمتع بمكانة دينية محورية في العالمين العربي والإسلامي، وثقل اقتصادي، ودور رئيس في أمن الطاقة، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية دفاعية متقدمة، وحضورا إستراتيجيا واسعا في الشرق الأوسط إضافة لعضويتها في حلف الناتو، في حين تمثل باكستان الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وما تضيفه هذه القدرة إلى الوزن الإستراتيجي للاتفاقية.
يتمثل جوهر الاتفاقية وقيمتها الإستراتيجية الأساسية في النص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع فكان الطبيعي أن يثير إعلان الاتفاقية وتوقيتها اهتماما إقليميا ودوليا واسعا، وأن تتوالى حوله التحليلات والتعليقات حول دلالاته المهمة في بيئة أمنية بالغة الخطورة.
إذ جاءت التفسيرات بين من رأى في الاتفاقية بداية لنظام دفاعي جديد سيعيد تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، وبين من قلل من أهميته أو شكك في قيمته، وتركيبته التي تجمع ثلاث دول إسلامية سنية كبرى، في الوقت الذي تصاعد التوترات والاعتداءات التي شنتها إيران والمليشيات التابعة لها على المملكة ودول الخليج والأردن، قد تقرأ الاتفاقية أيضا من زاوية الاصطفاف المذهبي، ليدفع إلى ردود فعل تزيد من التوتر، بدلا من أن تسهم في تعزيز الاستقرار.
فالمنطقة انتقلت من مرحلة الصراعات المحدودة إلى مرحلة أصبح فيها احتمال اتساع المواجهة الاقليمية قائما في أكثر من اتجاه. فالصراع الاميركي الإيراني لم يعد محصورا في الملفات النووية والعقوبات والضغوط السياسية، فيما تحولت المواجهة الإسرائيلية مع ايران إلى عنصر مؤثر في الحسابات الأمنية لدول المنطقة. ومع دخول الصواريخ والمسيرات والحرب السيبرانية واستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية والطاقة في معادلة الصراع، باتت الدول الإقليمية تنظر إلى أمنها، باعتباره مسألة تحتاج إلى ترتيبات تتجاوز الحدود الثنائية التقليدية.
فأهمية اتفاقية الدفاع المشترك، يحمل أبعاداً أوسع من بعده العسكري البحت في خلق تحالف إقليمي، قد تستفيد منه سوريا وهي تنهض من تركة ثقيلة خلفها النظام المخلوع، وتحاول بناء مؤسساتها وإعادة ملايين النازحين واللاجئين لبلدهم.



