العراق اليوم أمام سؤال أكبر من اسم رئيس الوزراء، وأكبر من حكومة عابرة: هل آن الأوان لكي يستعيد هذا البلد دولته وقراره وثروته ومكانته، أم سيبقى أسير شبكة المصالح التي نهبت مقدراته، وأبقت شعبه يدفع ثمن صراعات السياسيين والفاسدين وأصحاب النفوذ؟
من هنا تأتي أهمية تجربة علي الزيدي؛ فالرجل لم يبدأ من الملفات السهلة، بل اقترب من أكثر الملفات حساسية وخطورة: الفساد، والسلاح، والقرار السياسي، والاقتصاد، والعلاقة مع الخارج. وهذه الملفات تحديدًا هي التي جعلت الدولة العراقية، طوال سنوات، عاجزة عن التحول إلى دولة طبيعية تمتلك قرارها، وتفرض قانونها، وتحمي ثرواتها.
يقدّم الزيدي نفسه رجل اقتصاد ورجل دولة، وهذه ليست صفة تُمنح بالتصريحات، وإنما تُثبتها النتائج. وإذا كان جادًا في مشروعه، فإن عليه أن يعرف أن العراق لا يحتاج إلى رئيس وزراء جديد يُضاف إلى قائمة رؤساء الحكومات، بل يحتاج إلى رجل يفتح المعركة الحقيقية مع منظومة عطلت الدولة، وأكلت مواردها، وحولت السياسة إلى سوق للمصالح.
لقد ملّ العراقيون من سياسي يتحدث عن مكافحة الفساد ثم يترك كبار الفاسدين يتنقلون بين المناصب، وملّوا من مسؤول يرفع شعار القانون ثم يسمح للحزب أو الجماعة أو النفوذ بأن يكون أقوى من الدولة، وملّوا من طبقة سياسية تتحدث عن السيادة بينما القرار العراقي يُستباح من الداخل والخارج.
إذا كان الزيدي يريد أن يدخل التاريخ، فعليه أن يبدأ من قاعدة بسيطة: لا أحد فوق القانون.
لا حزب فوق القانون، ولا فصيل فوق القانون، ولا سياسي فوق القانون، ولا رجل أعمال فوق القانون، ولا مسؤول سابق أو حالي فوق القانون. ومن سرق المال العام يجب أن يُحاسب مهما كان اسمه، ومهما كانت طائفته، ومهما كان الحزب الذي يقف خلفه.
العراق لا يحتاج إلى مكافحة فساد انتقائية تُستخدم ضد خصم وتُغض الطرف عن صديق؛ فهذه ليست مكافحة فساد، بل تصفية حسابات. أما مكافحة الفساد الحقيقية فهي أن يصل القانون إلى الجميع، وأن تصبح سرقة المال العام جريمة بحق العراق لا وسيلة للصعود السياسي.
وهنا تبدأ المعركة التي يخشاها الفاسدون أكثر من أي شيء آخر: أن تصبح الدولة أقوى من شبكاتهم.
أما ملف السلاح فهو الوجه الآخر للأزمة. لا يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية بجيش رسمي ومؤسسات أمنية رسمية، وفي الوقت نفسه توجد قوى مسلحة تمتلك قرارها وقدرتها على فرض إرادتها. السلاح يجب أن يكون للدولة، وهذه ليست قضية طائفية، ولا قضية موجهة ضد مكون معين، إنها قاعدة بناء الدولة الحديثة.
ومن يريد أن يكون شريكًا في العراق فعليه أن يقبل بهذه القاعدة؛ فمن يريد العمل السياسي فليعمل من خلال السياسة، ومن يريد الدفاع عن العراق فليكن دفاعه من خلال مؤسسات الدولة. أما أن تكون هناك دولة داخل الدولة، فهذا يعني أن العراق لم يكتمل بعد كدولة.
والأخطر أن البعض سيحاول تحويل هذه المعركة إلى صراع مذهبي. وهنا يجب أن يكون الزيدي أكثر ذكاءً من خصومه، عليه ألا يسمح لأحد بأن يقول إن حصر السلاح استهداف لمكون أو طائفة. القانون يجب أن يكون واحدًا على الجميع، والسلاح خارج إطار الدولة مرفوض أيًا كان صاحبه.
أما التدخلات الخارجية، فالعراق ليس مضطرًا إلى اختيار وصاية بدلاً من وصاية أخرى. العراق يستطيع أن يكون صديقًا لإيران، وصديقًا للولايات المتحدة، وشريكًا لتركيا، وتكون علاقته جيدة مع السعودية والخليج والعالم كله، لكنه يجب ألا يكون تابعًا لأحد. السيادة ليست عداءً لإيران، كما أنها ليست تبعية لأمريكا؛ السيادة تعني أن يكون القرار العراقي صادرًا من بغداد لمصلحة العراقيين.
وهنا ستكون إحدى أصعب معارك الزيدي؛ فالعراق الذي يمتلك قرارًا مستقلًا يزعج كل من اعتاد استخدامه ساحة نفوذ، والعراق الذي يفتح أبوابه أمام الشركات العالمية على أساس المصالح العراقية يزعج من عاش سنوات على العقود الوهمية والصفقات المشبوهة والعمولات.
ولهذا فإن المعركة الاقتصادية قد تكون أخطر من المعركة السياسية.
العراق ليس فقيرًا؛ العراق بلد يمتلك ثروة نفطية وغازية هائلة، وأراضي زراعية، وموقعًا استراتيجيًا، وثروة بشرية، وعقولاً علمية، وكفاءات هندسية وطبية واقتصادية. لكن العراق أُدير في كثير من الأحيان بعقلية توزيع الغنائم بدلاً من عقلية بناء الدولة.
كيف يُعقل أن يمتلك العراق النفط ويعاني من أزمة الكهرباء؟ كيف يمتلك الغاز ويستورد الغاز؟ كيف يمتلك الأراضي الزراعية ويستورد الغذاء؟ كيف يمتلك آلاف المهندسين والخبرات ويستورد كل شيء؟ وكيف تتحول دولة تمتلك كل هذه الموارد إلى اقتصاد يعتمد على الوظيفة الحكومية؟
هذه ليست مشكلة موارد، هذه مشكلة إدارة وفساد ومصالح.
ولهذا يجب أن يكون مشروع الزيدي الاقتصادي واضحًا: النفط يجب ألا يكون مجرد راتب للعراق، بل رأس مال له. يجب أن يتحول جزء من عائدات النفط إلى صناعة حقيقية، وإلى بنية تحتية، وإلى مصانع، وطاقة، وزراعة، وتكنولوجيا، وتعليم، وإلى اقتصاد ينتج بدلاً من أن يستهلك.
العراق بحاجة إلى إعادة تشغيل مصانعه، ولكن ليس بالطريقة القديمة؛ نحتاج إلى مصانع تنافسية حديثة تنتج الدواء والغذاء ومواد البناء والمعدات الكهربائية والمنتجات البتروكيميائية والسلع الصناعية. نحتاج إلى شراكات مع شركات عالمية حقيقية تنقل التكنولوجيا وتدرب العراقيين وتبني خطوط الإنتاج، لا شركات تأتي بعقد وتخرج بمليارات العراق.
وهنا يجب أن يكون الزيدي شديد الحذر: الشركات العالمية مرحب بها، لكن ليس على حساب العراق. العقود يجب أن تكون شفافة، والأسعار معلنة، والمشاريع قابلة للتدقيق، والإنجاز مرتبطًا بجدول زمني واضح، ومن يفشل يتحمل المسؤولية.





