ليس الخطر في القانون حين يكون صارماً، بل حين يفقد قدرته على رؤية الإنسان الذي يُطبق عليه. فالقانون قد يكون عادلاً في نصه، لكنه يتحول إلى قسوة حين يُنفذ دون أن يلتفت إلى الأثر الإنساني الذي يخلّفه في النفوس، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالطفولة.
إن الجدل الدائر حول بعض مواد تنظيم الحضانة في مشروع المدونة الجعفرية، لا سيما المادة (86) وما يرتبط بها من آليات نقل الطفل بين الأبوين، يفتح سؤالاً بالغ الحساسية: هل نحن أمام تنظيم لحماية الطفل، أم أمام منظومة قد تؤدي – في بعض صور تطبيقها – إلى اقتلاع الطفل من عالمه النفسي والاجتماعي باسم الشرعية القانونية؟
في قاعات المحاكم، لا تُختصر القضية في نصوص جامدة؛ فهناك طفل يبكي، يتمسك بيدٍ يعرفها، ويرفض الانتقال إلى عالم لا يفهمه، بينما يُطلب من السلطة التنفيذية أن تمضي في الإجراء بوصفه "تنفيذاً لحكم قضائي". هنا يبدأ التوتر الحقيقي بين القانون والإنسان.
الطفل ليس ملفاً قانونياً
الإشكال الجوهري في بعض التصورات التشريعية لقضايا الحضانة أنها تميل إلى تحويل الطفل إلى "محل نزاع قانوني"، لا كيانٍ إنساني مستقل له ذاكرة وارتباطات ومشاعر تتشكل عبر الزمن.
فالطفل الذي عاش سنوات في بيت واحد، مع شخص يعتبره مصدر أمانه الأول، لا يدرك معنى أن تُعاد صياغة حياته بقرار قضائي. هو لا يفهم المصطلحات القانونية، لكنه يفهم الفقد، ويفهم الخوف، ويفهم الانقطاع المفاجئ عن عالمه الذي بناه تدريجياً.
وحين يُختزل هذا العالم كله في معيار قانوني، أو شرط شكلي، أو ترتيب أولوية، فإننا لا نكون أمام "عدالة مجردة"، بل أمام تجاهلٍ لطبيعة الإنسان نفسه.
النقد الجوهري لبعض مضامين المادة (86)
إن الإشكال الذي يُثار حول المادة (86) لا يتعلق بفكرة تنظيم الحضانة بحد ذاتها، وإنما في المخاطر المحتملة لطريقة التطبيق إذا جرى تغليب القواعد الشكلية على المعيار الجوهري: مصلحة الطفل الفضلى.
فالحضانة ليست مجرد نقل سلطة أو تحديد أحقية، بل هي تقدير مركب يشمل:
الاستقرار النفسي للطفل.
امتداد علاقاته العاطفية.
بيئته التعليمية والاجتماعية.
قدرة كل طرف على توفير الأمان والرعاية المستمرة.
وحين يتم اختزال هذه المنظومة في معيار واحد جامد، فإن القرار يفقد حساسيته تجاه الإنسان (موضوع الحماية)، ويتحول إلى إجراء ميكانيكي. والأخطر من ذلك، أن أي تطبيق لا يأخذ في الاعتبار التقييم النفسي والاجتماعي العميق قد يؤدي إلى نتائج قاسية على الطفل، حتى لو كان القرار صحيحاً من الناحية الشكلية.
لحظة التنفيذ: حين يختفي الطفل خلف النص





