صلاح الحسيني
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران نهجًا يقوم على “المقاومة” و“تصدير الثورة” بوصفهما ركيزتين لشرعيتها الداخلية وموقعها الإقليمي.
لكن بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أن هذا النهج، الذي اتكأ على القوة الصلبة وشبكات الوكلاء الإقليميين، بدأ يفقد فاعليته ويكشف عن عجز بنيوي في فهم المصلحة الوطنية الإيرانية.
في زمن تتغير فيه موازين القوة وأساليب التأثير، لم تعد الشعارات الثورية ولا الأذرع المسلحة أدوات ناجعة لصناعة النفوذ، بل أصبحت عبئًا يستهلك موارد الدولة ويشوّه صورتها.
القوة الصلبة: سلاح ذو حدّين
منذ الثمانينيات، اعتمدت طهران على بناء منظومة من “القوى الموازية” في دول الجوار، مثل حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيين في اليمن، وفصائل أخرى في سوريا وغزة.
هذا النموذج منحها مكاسب تكتيكية سريعة، أهمها: خلق عمق دفاعي يمنع الصدام المباشر مع خصومها، وامتلاك أوراق ضغط في ملفات إقليمية متعددة، لكن الثمن كان باهظًا:
استنزاف اقتصادي ضخم في ظل عقوبات خانقة وتدهور داخلي.
تآكل الشرعية الإقليمية بسبب التمدد الطائفي والتدخل في شؤون الدول.
فقدان السيطرة على الوكلاء الذين بات بعضهم يتحرك وفق مصالحه الخاصة، لا وفق أوامر طهران.
تحولت أدوات النفوذ من رصيد استراتيجي إلى عبء سياسي واقتصادي يصعب إدارته.
المرونة الغائبة
السياسة الإيرانية تعاني من “التيبّس الثوري” — أي الإصرار على المواجهة الدائمة ورفض أي تعديل في المسار، في عالم السياسة، المرونة ليست ضعفًا بل ذكاء استراتيجي. فالماء — كما قال الحكماء — يخترق الحجر بقطراته المتواصلة، بينما الصخر الصلب ينكسر من أول صدمة.
إيران اختارت أن تكون صخرة تواجه الجميع، فبدأت تتشقق من الداخل وتنكسر مكانتها خارجيًا تحت ضغط الزمن والواقع.





