تناولت المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في منتجع "بورغنشتوك" بسويسرا بين الجانبين الأمريكي والإيراني، بحضور ومتابعة الوسيطين الفاعلين باكستان وقطر، تحديد الآليات الفنية لإنجاز المبادئ الواردة في مذكرة التفاهم المتفق عليها قبل أسبوع، وتتمثل في:
فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
تخويل قطر اعتماد إجراءات إطلاق تدريجي للأرصدة الإيرانية المجمدة؛ لتستخدمها إيران في تطوير بنيتها التنموية وإعادة بناء ما دُمِّر من منشآت اقتصادية، على أن يتم ذلك تحت رقابة مشددة تضمن عدم انسياب تلك الأموال لدعم الوكلاء الإيرانيين في المنطقة.
وضع آلية لتحقيق وقف إطلاق النار تحت إشراف دولي في جنوب لبنان بين إسرائيل وحزب الله، وبما يضمن تحقيق سلام دائم يمنع استمرار تبادل إطلاق النار بينهما. ويتم ذلك في ضوء اتفاق ينجم عن المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، ودخول القوات اللبنانية إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
تشكيل لجنة فنية عليا للتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، تتابع تعهد إيران بتخفيض تخصيب اليورانيوم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاتفاق على ضمان اتصال مباشر بين الطرفين لمتابعة أي إشكالية تقف في طريق تنفيذ ما اتُّفِق عليه.
تأسيساً على ما تقدّم، فإن المفاوضات يمكن وصفها بـ "الناجحة"؛ كونها تتيح الفرصة للاستثمار الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة داخل إيران، ضمن آلية (خطوة مقابل خطوة) في تنفيذ برنامج صندوق الـ 300 مليار دولار لتحقيق التنمية الداخلية الإيرانية، وإعادة تفعيل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تحقيق المتابعة والدخول إلى المنشآت النووية الإيرانية كافة دون قيود، وتفكيك برنامج تخصيب اليورانيوم عالي التخصيب.
إن الإشكالية التي تبدو قائمة تتمثل في كيفية تمرير ما اتُّفِق عليه للداخل الإيراني؛ حيث بدا الناطق الرسمي الإيراني غير دقيق في زعمه أن الأرصدة المجمدة لبلاده سوف تُطلق كنوع من إظهار إيران في مظهر "الطرف المنتصر"، كعادة النظام الإيراني في تسويق نفسه أمام الرأي العام المحلي. كذلك تبرز قضية الوكلاء وخاصة في لبنان، حيث يصر حزب الله على تأكيد تبعيته لإيران من خلال الإصرار على دور طهران في الشأن اللبناني، وسعي نظامه السياسي إلى تنظيم العلاقة بين لبنان والكيان الإسرائيلي بعيداً عن تدخل أي طرف ثالث. وهنا تكمن إشكالية كبيرة في كيفية التخلص من التوظيف الإيراني لوكلائه لإدامة نفوذه الإقليمي، مما يهدد بأحد خيارين: إما اشتعال مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله لإرغامه على الرضوخ لمنطق الدولة اللبنانية عبر نزع سلاحه، أو تدويل القضية اللبنانية.
هذا هو المشهد القائم المنظور الذي يمكن وصفه، ولكن السؤال الأهم والأخطر: ما السيناريو الأخطر وراء الظاهر في الشاشة الأمامية؟
إن متابعة دقيقة للموقف، بعيداً عن النزعات والمزاجيات والمواقف الشخصية والأيديولوجية- تطرح أمامنا السردية الآتية:
لم يخفِ ترامب ومعه نتنياهو المقصد الأهم، وهو إحداث تغيير جوهري في خارطة إيران الجيوسياسية وتغيير النظام السياسي وأيديولوجيته التي أرهقت مجمل الوضع في محيط إيران الإقليمي العربي والشرق أوسطي. وحتى هذه اللحظة، لم ينكفئ ترامب عن التصريح في خطابه للشعوب الإيرانية قائلاً: "سوف نستولي على بلادكم".
إن هذا الخطاب لا ينتج عن مجرد "بلطجة ترامبية" كما يظن البعض، وإنما له جذوره المتصلة بتقرير استراتيجي قدمه الباحث "زيئيف" في مركز الدراسات الاستراتيجية بتل أبيب نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، وفحواه: "تسعى إسرائيل في المرحلة الأولى إلى تقسيم العراق من خلال فصل شماله عن وسطه وجنوبه تحت زعم إقامة دولة كردية مستقلة وبمساعدة إيرانية وتركية، حيث التدخلات الإقليمية لكلا الدولتين في الشأن العراقي تتبع مصالحهما؛ لكنها -حسب التقرير الاستراتيجي- ستصطدم لاحقاً بكل من إيران وتركيا حين تذهب إسرائيل لأهداف أبعد من ذلك لفصل المناطق الكوردية عن إيران ثم تركيا، بهدف تقسيم البلدين الإسلاميين".
وقد تضمنت أفكار هذا التقرير لاحقاً آراء "برنارد لويس" في عقد التسعينات، برسم سيناريو إعادة تقسيم بلدان العالم الإسلامي بدءاً من العالم العربي على أسس دينية ومذهبية وعرقية، وصولاً إلى رسم حدود الدم بين القبائل والعشائر، وحتى داخل العشيرة الواحدة.
والإشكالية أن إيران (دولة ولاية الفقيه) بلعت الطعم (عن قصد مسبق أو بدونه)، ولعبت دورها الفاعل أو وُظِّفت مقاصدها من قبل الأمريكيين وإسرائيل لتمزيق المجتمعات العربية، تحت طموحات إيرانية معروفة بإقامة دولة "العدل الإلهي" بزعامة إيرانية تمتد من شواطئ المغرب العربي على الأطلسي وصولاً إلى إندونيسيا. وهو الأمر الذي بدا واضحاً في الدعم الإسرائيلي لإيران خلال حربها مع العراق (إيران غيت)، ثم غض الطرف عن التوسع الإيراني -وبتنفيذ وتنسيق كاملين مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة- في سوريا ولبنان واليمن والخليج العربي. وبذلك تحقق لإسرائيل وأمريكا إضعاف العالم العربي فعلياً، وخاصة المشرق العربي الذي غدا واهناً أمام إسرائيل التي ظلت تخطط بهدوء لتحقيق مقاصدها الاستراتيجية، ولم تنفك عن ترديد القسم: "من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل".
وبهذا المنهج، استطاعت إسرائيل أن تضمن محيطاً عربيّاً آمناً لها، والسعي لتكريسه عبر التطبيع مع العرب ظاهراً وباطناً. ولا شك أن ذهاب العرب إلى الصراعات فيما بينهم لاعتبارات شتى -وهو الحال الذي فجّره دفعة واحدة الغزو العراقي للكويت بقرار خاطئ استراتيجيّاً وأخلاقيّاً شارك فيه العرب جميعهم بالتآمر على بعضهم دون أدنى إدراك منهم بأنهم يمهدون الطريق للتغول الإيراني المستثمر لصالح إسرائيل الكبرى- أدى في النهاية إلى غياب العقل العربي الجامع، مما أضعف إلى حد كبير التفكير في أي مشروع عربي موحد.
وهنا انفردت إيران وإسرائيل بتحقيق مشروعيهما على امتداد مساحات المشرق العربي، واللذين اصطدما لاحقاً وبشكل طبيعي كأي مشروعين إقليميين يسعى كل منهما للنفوذ والتغول على مناطق نفوذ الآخر، ليحدث الصدام بصيغة حروب مباشرة بينهما أو عبر وكلائهما.
إن ما حصل حتى الآن في المفاوضات أثر الحرب هو مسعى أمريكي - إسرائيلي منسق تماماً لتحجيم الدور الإيراني ومشروع ولاية الفقيه، وإعادته إلى الداخل الإيراني بعد أن فشلا في تغيير النظام كما خُطط له من قبل العقلية الإسرائيلية ودفعها للإدارة الأمريكية لتنفيذه تحت ضغط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن إنقاذ النظام الإيراني من السقوط حتى الآن هو إنقاذ لإيران من التقسيم، وفي الوقت ذاته ينقذ القوتين الإقليميتين باكستان وتركيا من اللحاق بها، وهو سر موقف الدولتين الرافضتين لانهيار إيران لاعتبارات جيوسياسية واضحة.
فباكستان عبرت على لسان رئيس وزرائها محمد شهباز شريف بوضوح، عن أن مساعي إسرائيل لتدمير إيران إنما تقصد منها لاحقاً تعزيز التحالف الإسرائيلي - الهندي للإحاطة بباكستان وتدميرها؛ ولأجل ذلك، فقد نسقت على مستوى رفيع جهودها الدبلوماسية مع السعودية وتركيا ومصر فضلاً عن قطر. ومن هذا الجانب، نستطيع تفهم الجهد الفاعل الذي تبذله باكستان لإنقاذ إيران كمتغير جيوبوليتيكي حيوي لأمنها القومي، وليس بالضرورة إنقاذ النظام الإيراني الذي غالباً ما تعرض سابقاً لانتقادات باكستانية بسبب موقفه تجاه قضية كشمير والصراع مع الهند. وباكستان هنا حساسة جداً تجاه التداخل الإثنوغرافي بينها وبين إيران فضلاً عن أفغانستان، لنعود ونذكّر بنظرية "برنارد لويس" آنفة الذكر وموقف إيران من ثورة بلوشستان - باكستان في النصف الأول من عقد السبعينات.
تركيا من جهتها تدرك أنها الحلقة اللاحقة المستهدفة بعد إيران، وهو أمر نبه إلى مخاطره أردوغان في أكثر من مناسبة. وفي هذا الإطار، تأتي تصريحات نائب وزير الخزانة الأمريكي السابق "بول كريغ روبرتس" والتي تُنذر برسم ملامح تصعيد جديد في الشرق الأوسط، حين كشف عن كواليس مخططات إسرائيلية مدعومة من اللوبي "الصهيوني" في الولايات المتحدة تستهدف تركيا بشكل مباشر، واصفاً إياها بأنها "الهدف التالي" بعد إيران في استراتيجية التوسع الإقليمي.
جاءت تصريحات روبرتس الحساسة خلال بث مباشر على منصة "يوتيوب" تزامناً مع توقيع الاتفاق الأمريكي - الإيراني مؤخراً، حيث سلّط الضوء على تحركات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "نفتالي بينيت" خلال الاجتماع السنوي للمنظمات اليهودية الأمريكية في الولايات المتحدة الذي عُقد في شباط الماضي، مستعرضاً خطة التلاعب بالرأي العام الغربي من خلال النقاط التالية:
تحديد الهدف القادم: نقل روبرتس عن بينيت قوله مباشرة لقادة اللوبي الصهيوني: "تركيا هي إيران القادمة". وجاء هذا التصريح في وقت كان فيه معسكر (ترامب - نتنياهو) يتوقع نجاح الهجوم المخطط له لإنهاء النظام في طهران وجعل إيران "جزءاً من التاريخ" (وهنا يتضح الفشل الأول للحملة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، أو على الأقل صار هدفاً مؤجلاً). وهنا نأخذ بعين الاعتبار تصريحات "فانس" نائب ترامب إثر المفاوضات مع الوفد الإيراني، حين أكد أن بلاده تتجه مع إيران نحو صياغة جديدة للشرق الأوسط، ليضع تصريحات ترامب كافة بشأن إسقاط النظام على رف الوثائق، مقدماً نظرية إعادة تشكيل جديد للشرق الأوسط بحضور إيراني.





