على وقع تجميد (مزعوم) من قبل الرئيس ترامب لهجوم عسكري أمريكي (وشيك)، وتأجيل لاجتماع مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، تتسارع عجلة المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد؛ إذ حملت الساعات الماضية مقترحاً إيرانياً جديداً سُلِّم للوسيط الباكستاني، أعاد تحريك المفاوضات. وما زُعِم عن تدخل قادة خليجيين أوقفوا ضربة عسكرية كانت مقررة لاعتقادهم أن إيران ترغب في حل منصف -رغم أن ما تم إعلانه عن الورقة الإيرانية الأخيرة لم يختلف جوهرياً عما سبقها، بل إنها تؤكد إصرار إيران على مطالبها برفع الحصار عن الموانئ وإطلاق رصيدها المالي المجمد والإعلان عن وقف شامل للحرب في جميع الجبهات (لبنان) قبل بدء التفاوض حول برنامجها النووي- إن هو إلا تبرير أوقع دول الخليج ذاتها في حيرة.
تجميد الهجوم المزعوم من قبل ترامب بحد ذاته أثار العديد من الاستفهامات عن جدية ترامب في تصريحاته المتناقضة، في الوقت ذاته الذي يذكرنا بحملاته العسكرية السابقة على إيران، حيث تمت كل منها والمفاوضات جارية بين الطرفين لتعطي إيران المبرر في فقدان الثقة والتشكيك بنوايا ترامب؛ لذلك فإن تصريحات ترامب يصعب البناء عليها، بل إنها تثير قدراً واسعاً من التخبط في قراراته ومدى ثبات القاعدة التي يقف عليها أمام إصرار إيران على (استراتيجية الصبر). في الوقت ذاته الذي يصعب البناء على ما تعلنه إيران من استعدادها للحوار، وفي ذات الوقت الذي تهدد فيه باستخدام شامل وعلى جميع الجبهات لجميع أسلحتها، وفيها ما هو جديد لم يُعلَن عنه سابقاً.
إنه الردع المتقابل في حرب الإعلام النفسية. في ضوئه، فإن ما يُعلَن عنه من اقتراب التوصل إلى حل مشترك يبقى موضع شك وغموض، ويتحمل سيناريوهات عديدة.
السيناريو الأول: استمرار الجمود
سيناريو استمرار الجمود في المفاوضات قائم ولكنه يحمل صعوبة الاستمرار به فترة أطول؛ فالاقتصاد الإيراني يواجه صعوبات جدية تشكل ضغطاً مؤثراً على الداخل، يمكن معه أن تشهد إيران تفككاً في الجبهة الداخلية، وهو تفكك مؤجل بسبب الحرب حيث يشكل اعتداءً خارجياً خارج نطاق القانون الدولي، ولكنه أيضاً يخضع لطبيعة العنف الذي واجهته الشعوب الإيرانية على يد الحرس الثوري والباسيج ومعهم ميليشيات دخلت الأراضي الإيرانية دفاعاً عن النظام، أدت إلى مقتل آلاف الإيرانيين بدم بارد.
يزيد مما تقدم فقدان الشعوب الإيرانية الثقة بدعم خارجي، حيث تخلى ترامب بسرعة عن وعوده بدعم الانتفاضة الأخيرة بذات الأسلوب الذي اعتمده جو بايدن في الانتفاضة التي سبقتها، بل إن كلا الإدارتين لم تأبه بمطالب المنتفضين بتوفير الإنترنت لكشف حجم الضحايا على يد القوى المسلحة الإيرانية من حرس ثوري وباسيج وميليشيات وغيرها.
السيناريو الثاني: استخدام القوة (بشكلين محتملين)
السيناريو الثاني المحتمل يحمل شكلين من احتمالات استخدام القوة من قبل الإدارة الأمريكية وحليفتها إسرائيل:
الشكل الأول: أن يتم توجيه ضربات أمريكية-إسرائيلية محدودة وعلى مواقع متفق عليها مسبقاً، على غرار ضربات سبق الاتفاق عليها كما حصل في استهداف إيران لقاعدة العديد في قطر وقواعد أمريكية أخرى في العراق، مقابل الإعلان لاحقاً عن وقف فوري لإطلاق النار لبدء مفاوضات (لا غالب ولا مغلوب) حفاظاً على ماء الوجه لكلا الطرفين، ولكن بصيغة إعلان مبادئ مشتركة.
هذا الشكل -باعتقادي- يمكن أن يدخل ضمن عالم الصفقات المعتادة من قبل الإدارة الأمريكية ليتم الظهور بمظهر المنتصر لكلا الطرفين، مما يفضي إلى دخول مفاوضات جادة وشاملة يتم فيها تقاسم المنافع التي يمكن أن تشمل ساحات النفوذ الإيراني في بلدان المشرق العربي، مقابل موافقة إيران على الاشتراطات الأمريكية حول البرنامج النووي ونقل الغبار النووي إلى دولة ضامنة.





