تتسم الحالة السياسية العراقية الراهنة بقدر عال من التعقيد لا يمكن فهمه خارج سياق تطورها التاريخي منذ عام 2003، ولا بمعزل عن التحديات الدولية والإقليمية التي تتقاطع معها. فكل مرحلة سياسية في العراق كانت، ولا تزال، مرهونة بظروفها الموضوعية، من توازنات داخلية هشة إلى ضغوط خارجية متغيرة، الأمر الذي يجعل الحكم على التجربة بمعيار ثابت أمراً إشكالياً ما لم يُؤخذ هذا التشابك بعين الاعتبار.
غير أن الملاحظة الجوهرية في مسار النظام السياسي العراقي تكمن في وجود مستويين من الخطاب والتحليل:
الأول: خطاب تفصيلي تعقيدي، ينشغل بتفكيك الجزئيات، من تحالفات انتخابية، وصراعات نخب، وتوازنات طائفية وإثنية، وهو خطاب واسع الحضور في الإعلام والنقاش السياسي.
أما الثاني: فهو خطاب عام أعلى، يُفترض أن يراقب السيرورة السياسية بوصفها عملية بناء دولة، من خلال الاحتكام إلى مباني الدولة ومبادئ الدستور، ومعايير الأداء المؤسسي والاستقرار طويل الأمد.
المشكلة أن التجربة العراقية، حتى اللحظة، لم تنجح في الانتقال من مستوى (تفصيلات السياسة) إلى مستوى (رؤية الدولة). إذ بقيت معظم الفاعليات السياسية أسيرة إدارة اللحظة، لا صناعة المستقبل، الأمر الذي انعكس في ضعف معيار النجاح المؤسساتي، حيث تُقاس الإنجازات غالباً بمكاسب ظرفية، لا بمدى ترسيخ قواعد الحكم الرشيد أو بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.





