ما يحدث ليس فوضى، بل فوضى مدارة، كل شيء يبدو عشوائيًا، لكنه يخدم نتيجة واحدة
لنكن واضحين: جزء من الإعلام اليوم لا ينقل الواقع، بل يصنعه، ثم يطالبك بأن تصدقه. لا يتعلق الأمر بانحياز بسيط أو خطأ مهني عابر، بل بمنظومة كاملة تتغذى على خلق التوتر، وتعيش على تضخيم الصراع، وتربح من إبقاء الناس في حالة استنفار دائم.
في هذا الإعلام، لا يوجد خبر بريء، كل قصة تدفع إلى الواجهة لسبب، وكل زاوية تختار بعناية، وكل كلمة محسوبة. ما يبدو لك تغطية عادية هو في كثير من الأحيان نتيجة قرار مسبق: ماذا نظهر؟ ماذا نخفي؟ ومن يجب أن يبدو كضحية، ومن يجب أن يقدم كخطر؟
الأمر لا يحتاج إلى مؤامرات معقدة، يكفي أن تكرر نفس الرسالة بطرق مختلفة، أن تختار نفس النوع من الضيوف، أن تعطي مساحة أكبر للصوت الأعلى، لا للأدق. ومع الوقت، سيتشكل وعي كامل مبني على هذا التراكم، وعي لا يرى العالم كما هو، بل كما تم ترتيبه له.
الأخطر أن هذا الإعلام لا يصرخ، لا يفرض عليك فكرة بشكل مباشر، إنما يدفعك إليها تدريجيًا، يزرع الشك أولًا، ثم يعززه، ثم يقدّم لك "التفسير" الجاهز، وحين تصل إليه، تعتقد أنه استنتاجك الشخصي، بينما هو في الحقيقة نتيجة مسار طويل من التوجيه غير المرئي.
خذ أي ملف ساخن، وسترى النمط نفسه: تضخيم، تبسيط، استقطاب، لا مكان للتفاصيل، لأنها تربك السرد، لا مكان للسياق، لأنه قد يخفف من حدّة الانفعال، المطلوب ليس أن تفهم، بل أن تختار طرفًا، وأن تبقى فيه.
وهنا تحديدًا تصنع المشكلة، لأن الإنسان حين يدفع إلى الاصطفاف قبل الفهم، يتحول إلى أداة يدافع، يهاجم، يعيد نشر، يشارك في معركة لم يختر شروطها أصلًا، ومع الوقت، لا يعود قادرًا على التراجع، لأن ذلك يعني الاعتراف بأنه كان جزءًا من لعبة أكبر.





