جليل المندلاوي
تبدو الأحداث التي تعيشها المنطقة وكأنها تتبارى في إنتاج دراما جديدة تجتمع فيها كل عناصر الإثارة والتشويق، بدءا من الغموض وصولا إلى المفاجآت والأزمات المتعاقبة، فيما يبقى العراق محتفظا بصدارتها، ليثبت أنه ليس فقط بلد أرز العنبر الشهير بلونه الأبيض الناصع ورائحته العطرية المميزة، بل ساحة للأحداث الكبيرة أيضا والفوضوية، فالحدث الأبرز الذي جذب الأنظار هو ما يعرف بـ"خطأ النشر"، فيبدو أن الوثائق في العراق اكتسبت في السنوات الأخيرة مهارة خارقة، من حيث القدرة على الركض أسرع من المنطق نفسه، فبمجرد أن تتسرب ورقة أو تعليق، سواء كان مسودة أو حتى قبل التفكير، نجدها تتنقل في وسائل التواصل كأنها في سباق مئة متر، لتصل إلى الجمهور قبل أن يصل الموظف المسؤول إلى مكتبه، وقبل حتى أن يعرف رئيس اللجنة ما الذي نشر وما الذي لم يكن يفترض أن ينشر، ولأن الأمر لا يكتمل من دون نكهة المؤامرة اليومية، خرجت علينا التفسيرات الحكيمة، بأن الانتشار بهذه السرعة، لا بد من جهات تقف خلف الموضوع.. جهات؟ ربما من يدري؟ في بلد تصل فيه الورقة المسربة إلى كل هاتف في 7 ثوان قبل أن تصل إلى أرشيف الوزارة في 7 أيام، حيث يصعب فعلا تحديد ما إذا كانت هناك جهات أم مجرد صفحة فيسبوك تعمل على بيانات موبايل.
القصة بدأت حين استيقظ العراقيون على "الوقائع العراقية" الجريدة الرسمية للحكومة والتي يفترض أن تكون مرآة القانون، وهي تعلن بثقة عن إدراج "حزب الله" و"أنصار الله" ضمن قائمة تجميد الأموال، الأمر الذي تحول من مجرد زلة لسان إلى قنبلة سياسية هزت الحكومة والرأي العام، حيث بدا العراق وكأنه قد حسم واحدة من أعظم معاركه السياسية، وأحرز تقدما تاريخيا في علم السياسة وبالتحديد في رياضة نشر الأخطاء قبل التنقيح.
ففي عالم السياسة، هناك فرق بين الخطأ والدراما، لكن في العراق، أصبح الخطأ نفسه مادة للإثارة، كل قرار يُتخذ أو يُنشر قبل وقته يتحول إلى عرض حي، يشاهد فيه الجمهور المأساة والكوميديا معا.. "خطأ النشر" تلك الكلمة التي أثارت الجدل أكثر من كل ذلك العراك حول الشاي الأسود في المقاهي، فبعد أن ارتجّ الشارع واهتزّت الشاشات، وامتلأت المنصّات بتعليقات أكثر حرارة من "صمون سعدون الساعدي"، وتحليلات أكثر من عدد حروف الوقائع العراقية نفسها، فالحكومة التي اعتادت على مواجهة التظاهرات والاحتجاجات، تجد نفسها محاصرة ببلبلة داخلية أثارتها فقرة جافة من قرار إداري، وكأن الأمر كما لو أن أحدهم ضغط على زر "إرسال" دون أن يدري أنه قد أرسل للكل تقريرا عن أسوأ كوابيسه، ولم تمض ساعات حتى بدأت الجهات الرسمية توزع بيانات التوضيح يمينا ويسارا، حيث أعلنت الحكومة بفخر أنها ضحية لمجرد ورقة هربت قبل أن تلقي عليها مساحيق التنقيح، وكأن التنقيح كائن مجهول يختفي في اللحظات الحرجة ليقلب الموازين ويورّط الجميع.
رئيس الوزراء العراقي مثل بطل في قصة من قصص ألف ليلة وليلة، أقام الدنيا ولم يقعدها مسجلا استنفارا غير مسبوق، وعلى طريقة "أنا المسؤول لكن المسؤول ليس أنا"، أصدر توجيها بضرورة إجراء "تحقيق عاجل"، وهي العبارة السحرية التي تعد بالأمل، وتوحي دائما بأن الحقيقة قادمة لا محالة، لكنها غالبا ما تصل متأخرة، فالتحقيق من وجهة نظر رئيس الوزراء سيكشف المسؤول ويحاسب المقصر، وسيضمن أن الفقرة الشاردة في القرار 61 لسنة 2025 لم تدرج الحوثيين وحزب الله في قائمة داعش والقاعدة إلا عن طريق الخطأ.





