جليل المندلاوي
في الوقت الذي صار فيه المقعد النيابي أكبر من صاحبه، وأضيق من أن يتّسع لفكرة الديمقراطية، خرج علينا مشهدٌ يلخّص أزمة السلطة حين تنقلب على أصل معناها، ففي قضاء الدبس الهادئ، استيقظ الأهالي على عرض أكشن سياسيّ حيّ.. حيث اقتحم نائب منتخب بيت مواطن لأنه تجرأ وكتب تعليقا على فيسبوك، عجبا.. يبدو أن الديمقراطية عند البعض تتحسس من اللايك وتختنق من البوست، في زمن يفترض فيه أن يكون النائب ظلّ القانون ودرع المواطن و"الخادم الأمين" لمطالبه.
الخبر "كما روي من الشهود" يقول إن الهجوم لم يكن مجرد "زيارة تفقدية"، بل استعراض مسلّح يشبه تمرينا على فيلم من نوع الزعيم الغاضب يعود ليثأر من الـ"لايك" الضائع"، ولأن العائلة المسكينة لم تستقبل هذه "الزيارة" بالورود، فقد حظيت بحصتها من الضرب، والتحطيم، وسلب الهواتف، والأجمل "أو الأسوأ" أن الهجوم لم يكتف بالضرب والتحطيم، بل امتدّ ليشمل حتى القوة العسكرية التي جاءت لتمنع تفاقم الفوضى، فبدلا من احترام القانون، فضّل السيد النائب أن يصفع آمر السرية ليذكره ربما بأن سلطة القانون مجرد "اقتراح غير ملزم" أمام سطوة المقعد البرلماني، فعندما جاءت قوة عسكرية لحماية المدنيين من الفوضى، فوجئت بأن واجبها الأول أصبح حماية نفسها، وبدل أن يستقبلوا عناصر الجيش باحترام الدولة، استقبلوهم بـ"صفعة" لإعادة تذكيرهم بأن القانون ليس سيد الموقف، بل السيد النائب.
إنها كوميديا سوداء مكتملة الأركان، فهنا مواطن ينتقد نائبا، والنائب يغضب، والحماية تتحرك والجيش يتدخل ثم الجيش يصفع.. والنائب يتحصن والدولة تتفرّج فيما المواطن يقدم شكوى.. في حين كان من المفروض أن النائب هو من يسنّ القوانين، لا من يكسرها على رؤوس الناس، لكن يبدو أن بعض أهل السياسة يعتقدون أن الحصانة البرلمانية تشمل، حصانة من النقد، وحصانة من الغضب، وحصانة من الأدب، وحصانة من الخجل أيضا.





