جليل إبراهيم المندلاوي
تمر المنطقة بحالة من التدافع السياسي خلال موسم التنافس الانتخابي وارتفاع حرارة الدعاية السياسية، ما يستدعي التمييز بين رؤى البناء واستراتيجيات الهدم، وفي خضم السجالات السياسية المحتدمة تختلط أصوات المواقف الحقيقية بضجيج الإدعاءات، حيث تطرح أسماء كبيرة وثقيلة في ميزان التاريخ الحديث للعراق، لا بوصفها شخصيات عابرة في المشهد السياسي، بل بوصفها أعمدة راسخة ساهمت في صياغة معادلات الاستقرار والشراكة وإعادة بناء الدولة بعد سقوط النظام السابق، فتطفو على السطح بين الحين والآخر تفسيرات وتأويلات تريد أن تختزل مسارات معقدة بإرادات فردية أو أن تختزل تاريخا نضاليا طويلا في حسابات ضيقة.
في الآونة الأخيرة خرج من يحاول أن يعيد رسم خريطة المواقف وفق ما يشتهي، لا كما هي حقيقة على الأرض، فشرع ينسج روايات وخيالات وهمية عن شخصية واسم الرئيس مسعود بارزاني، وهو يحاول تفسير المشهد السياسي وفق تصورات تتجاهل الحقائق وتتغافل التاريخ والمواقف، لا وفق الوقائع التي يعرفها الجميع، وهذه المزاعم لا تأتي من فراغ، إنها جزء من حمى دعاية انتخابية تبحث عن الخصوم أكثر مما تبحث عن البرامج، وعن إثارة الغبار أكثر مما تبحث عن الرؤية، وفي لحظات كهذه يصبح التشكيك والتشويه وسيلة سهلة لأولئك الذين لا يستطيعون تقديم مشروع واضح أو بديل مقنع فتستهدف الرموز لأن الرموز أثقل من أن تنافس وأكبر من أن تحاصر بالكلمات.
لذا فإن محاولة الإيحاء بوجود تباين أو تعدد قرار داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لا تعدو كونها أمنيات يراد لها أن تتحول إلى "وقائع إعلامية"، ولكن الحقيقة التي يعلمها القاصي والداني، والداخل والخارج، أن هؤلاء الذين يبنون نظرياتهم على الظنون، ويتغذون على الأمنيات، يجهلون "أو يتجاهلون" أن الديمقراطي الكوردستاني ليس مجرد حزب سياسي يتحرك بوقع اللحظة، بل هو مسار نضالي طويل تشكل من دماء البيشمركة، ومن ذاكرة الجبال التي لا تنحني، ومن إرادة شعب لا يساوم على كرامته وفي جوهر هذا المسار، قيادة واحدة ورؤية واضحة، وقرارا موحدا يقوم على أسس نضالية تمتد لعقود من تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية، لأن التجربة أثبتت أن الانقسام لا يصنع شعبا ولا يبني وطنا ولا يحمي حقا، وهذه الحقيقة ليست مجرد موقف سياسي آني، بل هي ركن ثابت في مفهوم "الپارتي" الذي لا يصدر مواقفه من ردود الفعل، وإنما من قراءة حكيمة للواقع ومستقبل العراق والمنطقة.





