رغم خطورة الموقف، لا تزال الإجراءات الحكومية خجولة
لم يكن دجلة يومًا مجرّد نهر، بل روح حضارة وذاكرة وطن وهوية شعب، من ضفافه ولدت أولى المدن، وازدهرت الزراعة، وتفتحت على مياهه أبواب المعرفة والتاريخ.
دجلة ليس ماءً يجري، بل شريان حضاري حمل رسالة الرافدين إلى العالم، وارتبط في الوجدان العراقي بالخصب والحياة والشعر والموسيقى وأغاني الفراتيين.
لكن اليوم، دجلة الخير لم يعد بخير. يضيق مجراه وتخفت نبضاته، وكأن التاريخ يختنق على مرأى من أبنائه. مياه تتراجع، أراضٍ تتصدع، نخيل يذبل، وقرى كانت تنبض بالحياة أصبحت تبحث عن قطرة ماء.
هذه ليست أزمة عابرة، بل مشهد واضح لحرب مياه تُدار بصمت، وبُعدٍ استراتيجي يستهدف العراق في أمنه القومي ووجوده الزراعي والحضاري. إنها حرب من نوع جديد، لا رصاص فيها ولا مدافع، لكن نتائجها أشد قسوة وتدميرًا.
ورغم خطورة الموقف، لا تزال الإجراءات الحكومية خجولة، وكأن الزمن ينتظر، وكأن الأرض يمكن أن تتسامح مع عطشها، لم نتعامل مع الملف بوصفه ملف أمن وطني، ولم نُدِر الأزمة بمنهجية دولة تُدرك موقعها وثقلها التاريخي.
لقد كان على الحكومات المتعاقبة أن تستثمر في بناء السدود وإدارة الموارد المائية وإنشاء مشاريع حصاد المياه وتحديث منظومات الري، بدل الاعتماد على ما تجود به الطبيعة، وجيران لا يضعون سوى مصالحهم في الحسبان. واليوم ندفع ثمن الإهمال والتأخر والتردد.
تداعيات الأزمة لا تقف عند حدود نقص المياه فقط، بل تمتد:





