منذ أن تنفّس الكوردي أول أنفاسه بين قمم الجبال كتب القدر عليه أن يكون شاهداً على الظلم، لتبدأ أول سطور الحكاية التي كتبتها الريح على صخور صلبة من الصبر، ولطالما كان الكورد ضحايا للتاريخ والجغرافيا معا، فمنذ بدايات القرن الماضي تعرض هذا الشعب الأصيل لحملات إبادة ممنهجة لا تختلف عن تلك التي تنتهجها أكثر الأنظمة دموية في التاريخ، لذلك حين تكلّم الرئيس مسعود بارزاني في خطاب يقطر صدقا، ألقاه في المؤتمر العلمي الدولي الخامس للتعريف بالإبادة الجماعية ضد الكورد، ليضع يده على الجراح العميقة التي خلّفها القرن العشرون في جسد شعب كوردستان، في الوقت ذاته فتح نافذة على فلسفة مغايرة تماما للتعاطي مع هذه الجروح، فلسفة لا تبحث عن الانتقام بل تسعى لبناء سلام يتذكر الماضي لئلا يعيد نفسه، ليستعيد صفحة من أكثر صفحات التاريخ الكوردستاني سوادا، ويذكّر العالم أن الشقاء لم يكسر إرادة هذا الشعب وأن الجراح التي لم تندمل تحوّلت إلى دروس في الكرامة.
لم يتحدث الرئيس بارزاني كزعيم فقط، بل كذاكرة تستدعي من ظلال التاريخ ما يكفي لتذكير العالم بأنّ المأساة التي بدأت من الكورد الفيليين لم تكن صفحة عابرة بل جرحا مفتوحا في جبين الإنسانية، فمنذ الجملة الأولى التي قال فيها إن: "قدر شعب كوردستان على مر التاريخ كان دائما الشقاء والمعاناة والظلم"، بدا الخطاب أشبه بمرافعة إنسانية عن أمة خطّ على جبينها الألم لكنها أصرّت على أن لا تورّث الكراهية لأبنائها، فأعاد إلى الأذهان قرونا من القهر من السيف العثماني إلى سوط البعث، من المقابر الجماعية إلى الغازات والأسلحة الكيميائية.
وبين ركام القرى التي دمرها النظام البعثي وبين صرخات الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن في حملات الأنفال والإبادة ولدت فكرة أخرى: أن الكوردي يستطيع أن يكون مظلوما دون أن يتحوّل إلى ظالم، فالرئيس بارزاني لم يستدع التاريخ ليجترّ وجعه بل ليقول: "لقد رأينا الموت ولم نر الحقد" عندما ذكر أن الكورد الفيليين والبارزانيين كانوا أول من اختبر عليهم السلاح الكيميائي في مناطق عكاشات والقائم، لم يكن يسرد واقعة للتاريخ فقط بل يذكّر الإنسانية جمعاء بأن التجارب الكيميائية لم تكن في المختبرات بل على أجساد بشر أبرياء.
كما شكّلت حملة الأنفال التي شنها نظام البعث البائد عام 1988، علامة فارقة في مسيرة القمع ضد شعب كوردستان، حيث قتل فيها عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، وتم تدمير أكثر من 4500 قرية كوردية فيما يشبه محوا كاملا للحضور الكوردي من على الخارطة العراقية، ولم تكن فاجعة حلبجة التي راح ضحيتها الآلاف بالغازات السامة سوى حلقة أخرى في هذه السلسلة الدموية الطويلة.. ومع ذلك لم تنكسر كوردستان، بل خرجت من رمادها كما تخرج العنقاء من قلب النار لتذكّر أن الدم لا يطهّره الدم.
لقد أكرم الله شعب كوردستان بالسلطة، فلم يرفع الكوردي سيف الانتقام بل رفع راية التسامح، فحين اندلعت الانتفاضة عام 1991 وسقط فيلقان كاملان من الجيش العراقي بيد قوات البيشمركة والمواطنين الكورد، لم ترفع سكاكين الانتقام بل أيدي العفو، فلم يقتل كما لم يهان أسير واحد رغم أن التاريخ كان يطالب بثمن باهظ، فهؤلاء أنفسهم الذين دمّروا القرى وأحرقوا الذاكرة وجدوا في جبال كوردستان وجها آخر للإنسانية وجيلا تربّى على قيم أسمى من الثأر، ويؤكد الرئيس بارزاني إن هذا الموقف الإنساني النبيل يمثل مفارقة تاريخية عميقة، فالجيش الذي دمر قرى الكورد وارتكب أبشع الجرائم بحقهم يجد منهم الرحمة عندما تصبح القوة في أيديهم، وقد كان يمكن لكوردستان أن تشبع الأرض ثأرا لكنها اختارت أن تشبعها كرامة، فتلك اللحظة لم تكن مجرّد صفحة من الحرب بل لحظة ولادة جديدة للضمير الكوردستاني، فالشعب الذي ذاق أنفاله وسمومه قرّر أن لا يكون صورة أخرى لجلاده، لأن من ذاق الظلم يعلم أن العدالة لا تقام على رماد الآخرين.





