فى ظل بيئة مضطربة وغير مستقرة، لم تعد القوة الناعمة قادرة بمفردها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول
شهد النظام الدولى خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أفرزت أنماطاً جديدةً من القوة والنفوذ، فمما لاشك فيه أن اعتماد استراتيجية الحرب غير المتكافئة، سبيل للهلاك، حيث تتنافس الدول فيما بينها في مجالات عدة، ومنها تحقيق قوة عسكرية تفوق قوة خصومها، فإن لم يكن تحقيق التفوق ممكناً يصبح الهدف تحقيق التوازن، إلا أن التقدّم التكنولوجي الكبير جعل المهمّة صعبة المنال في الشرق المضطرب، فهي تبقى متأخّرة جداً عمّا هو في ترسانات القوى الغربية، لتبدأ التحول الاقتصادى السعي لتعزيز القوة الناعمة من خلال الاستثمار فى أدوات القوة الذكية، جزءاً من الاستراتيجيات الشاملة لإعادة التموضع العالمى.
هذا الواقع يفتح الباب واسعا أمام استراتيجيات القوة الذكية كإطار لفهم كيفية بناء وإعادة تشكيل التحالفات، فى ظل بيئة مضطربة وغير مستقرة، فالقوة الناعمة بما تتضمنه من أدوات ثقافية، ودبلوماسية، وإعلامية لم تعد قادرة بمفردها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول، فى إطار يوازن بين الردع والجاذبية وبين الضغط والاحتواء.
بعد التحولات التى أدت إلى إعادة تشكيل موازين القوى وتموضعها الاستراتيجى، عبر المزج بين أدوات الردع العسكرى والقوة الاقتصادية المتنامية، وتجنب تكاليف الاعتماد الأحادى على السلاح أو الخطاب الثقافي، بقدرتها على إنتاج أنماط مستقرة ومستدامة من العلاقات، "باعتبارها الوسيلة الأساسية لتحقيق المصالح الوطنية"، شهد الشرق الأوسط منذ عام 2011 تحولات جذرية فى بنيته الجيوسياسية، يمكن وصفها بمرحلة انتقالية عميقة، ومن أبرز سمات هذه المرحلة بروز الفاعلين من غير الدول، سواء فى صورة تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، أو ميليشيات مدعومة من قوى إقليمية، وقد فرض هؤلاء الفاعلون أجنداتهم على الخريطة الجيوسياسية، مما زاد من هشاشة الدولة الوطنية، هذا الواقع خلق بدوره إعادة تموضع لدور القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.
فإيران عززت نفوذها الإقليمى عبر شبكة من الوكلاء الممتدين من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، معتمدة على مزيج من القوة الصلبة (دعم عسكرى مباشر وتمويل) والقوة الناعمة (الخطاب الطائفى، والدعم الاجتماعى فى بعض البيئات المحلية)، وعملت جاهدة على بناء قوة عسكرية حاشدة رغم العقوبات الدولية، التي حدّت بشكل كبير من قدرتها على الحصول على أحدث التكنولوجيا، فلجأت إلى سياسة خلّاقة، عبر خطوات ذكية وفعّالة، عن طريق جيوش إلكترونية ووسائل إعلامية، تمكنت من إشاعة "وهم القوة" عبر سياسة "حافّة الهاوية" مكّنها من تسويق مكانتها، ما وفّر لها بيئة أيديولوجية حاضنة.
فى المقابل عملت تركيا على توسيع نفوذها بالجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية النشطة، مع الانخراط العسكرى المحدود فى سوريا وليبيا. أما السعودية والإمارات، فقد تبنتا مقاربة هجومية، إلى جانب محاولات لإعادة بناء النظام الإقليمى عبر أدوات مالية، واقتصادية، وإعلامية واسعة النطاق.
فيما مثّلت التدخلات الدولية بعداً حاسماً فى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، فقد أدى التحرك الأمريكى بالانخراط العسكرى المباشر في سوريا، إلى خلق فراغ استراتيجى حاولت روسيا ملأه عبر تدخل عسكرى مباشر فى سوريا منذ 2015، مما أضاف بعداً جديداً فى التوازنات الدولية، جعلت من سوريا ساحة تنافس مفتوحة بين قوى كبرى وصاعدة.





