جليل إبراهيم المندلاوي
تبدو تركيا اليوم أمام درس تاريخي جديد، فقد أشعل اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، فتيل الغضب الشعبي، مما أدخل البلاد في موجة احتجاجات عارمة لم تتوقف، حيث يصر المتظاهرون على البقاء في الشوارع للدفاع عن الديمقراطية، فمنذ اعتقاله، تحولت مدينة إسطنبول إلى ساحة احتجاجات متواصلة، في خطوة أثارت جدلا واسعا حول مستقبل الديمقراطية في البلاد، وبينما يرى المعارضون أن الحكومة تسعى إلى فرض سيطرتها بإجراءات قمعية ومصادرة إرادة الناخبين من خلال فرض وصايتها على بلدية إسطنبول، تتصاعد المظاهرات التي لم تثنها قرارات حظر التظاهر، بل زادت زخما مع مرور الأيام.
ما يحدث في إسطنبول ليس احتجاجات عابرة فحسب، بل معركة سياسية كبرى بين تيارين متناقضين، حتى بات اعتقال إمام أوغلو نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي التركي، فالرجل، الذي استطاع انتزاع بلدية إسطنبول من قبضة حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2019، أصبح اليوم رمزا لمعارضة متماسكة تتحدى سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، ورغم الزج به في سجن سيليفري، إلا أن مكانته لم تهتز، بل على العكس، منحه الاعتقال زخما سياسيا غير مسبوق، وجعله رمزا للمعارضة ضد حكم أردوغان، وارتفعت أسهمه داخل حزب الشعب الجمهوري، الذي أعلن ترشيحه رسميا للانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أن نال تأييد الأغلبية الساحقة من أعضاء الحزب في الانتخابات الداخلية الأخيرة، مدفوعا بالتعاطف الشعبي الكبير الذي يحظى به، وهكذا، أصبح إمام أوغلو، بفضل اعتقاله، الرقم الأصعب في مواجهة أردوغان، في مشهد يعيد للأذهان تجارب قادة سياسيين صعد نجمهم من خلف قضبان السجون.
منذ لحظة اعتقال إمام أوغلو، لم تهدأ شوارع إسطنبول، ولا ميادين أنقرة وإزمير، ورغم أن السلطات فرضت قيودا صارمة على التظاهر، وأغلقت محطات المترو والطرق الرئيسية لمنع التجمعات، إلا أن المحتجين وجدوا طريقهم إلى الساحات، متحدين القمع الأمني، الذي شمل استخدام الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، إضافة إلى موجة اعتقالات واسعة، لكن اللافت في هذه الاحتجاجات أنها لم تعد مجرد مظاهرات غاضبة، بل تحولت إلى حركة منظمة تسعى لتغيير قواعد اللعبة السياسية، فالمعارضة التي كانت تتشتت في السابق، باتت اليوم أكثر انسجاما، مدركة أن المواجهة مع الحكومة لم تعد خيارا، بل ضرورة فرضها الواقع السياسي والاقتصادي المتأزم.
لطالما كان رئيس البلاد لاعبا ماهرا في السياسة، لكنه اليوم يواجه أصعب اختبار منذ وصوله إلى السلطة، فبينما يحذر من أن هذه الاحتجاجات تهدد استقرار البلاد وتفاقم الأزمة الاقتصادية، يرى خصومه أن سياسات القمع هي التي دفعت البلاد إلى هذا المنزلق الخطير.





