إن الممارسات التي تنتهجها الحكومة الاتحادية في بغداد تجاه إقليم كوردستان، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة المستحقات المالية، تُعدّ خرقًا واضحًا للدستور العراقي، وانتهاكًا صريحًا لمبدأ الشراكة السياسية والتوافق الوطني الذي يُفترض أن يكون أساسًا للحكم في دولة متعددة القوميات والمكونات. فرغم التأكيد المتكرر على مبدأ المساواة بين جميع مكونات الشعب العراقي في الحقوق والامتيازات، إلا أن الواقع يعكس تمييزًا ممنهجًا ضد الشعب الكوردي، الذي لطالما كان ضحية لسياسات مركزية مجحفة على مدى التاريخ.
لا يخفى على أحد أن المكون الكوردي يشكل ركيزةً أساسيةً في العملية السياسية العراقية، وكان دائمًا وفياً لتعهداته وشراكاته السياسية، ولم يتنصل من مسؤولياته تجاه الحكومة الاتحادية. ومع ذلك، فإن الاضطراب في صنع القرار السياسي لدى بعض الجهات المتنفذة في بغداد، وعدم الالتزام بالاتفاقات المبرمة، أديا إلى تآكل الثقة لدى الشارع الكوردي، وشعوره بأن الحكومة الاتحادية لا تتعامل معه كشريك حقيقي، بل كطرف تابع تُفرض عليه قرارات دون حوار أو تفاهم مسبق.
إن تمنهج السياسية المتكررة - من قبل الحكومة العراقية- ذات الطابع الإقصائي أو المسيء، لا تسهم إلا في تعميق الفجوة بين المركز والإقليم، بل تُعدّ مساسًا مباشرًا بكرامة مكون وطني أصيل، شارك في بناء العراق وقدم التضحيات الجسام من أجل الحصول على حقوقه المشروعة، وليس من المنصف أن يُكافأ هذا التاريخ من النضال، من مقاومة الدكتاتورية و تحمل الأنفال والإبادة الجماعية والقصف الكيميائي وحملات التهجير القسري والتعريب، بمزيدٍ من الضغوط المالية والسياسية والتهميش المؤسساتي.
كان الأجدر بالحكومة المركزية، بدلاً من استخدام الملف المالي كورقة ضغط سياسي، أن تبادر إلى معالجة تركة المظالم السابقة وتعويض الإقليم بشكل عادل، تعزيزًا لمفهوم الدولة الجامعة التي تحتضن جميع مكوناتها دون تمييز أو إقصاء، والتي على أساسها تم تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، لكن ما يحدث اليوم لا يعبّر عن شراكة سياسية حقيقية، ولا عن احترام للدستور أو القانون، بل يُظهر توجهًا أحاديًا يُغيب قيم العدالة والمواطنة المتساوية.





