د. بُرهـان شـاوي
الكورد وليس الكرد
من الشائع في الكتابة العربية أن يُكتب اسم الشعب الكوردي ب(الكردي) بحذف (الواو) والاستعاضة عنها ب (الضمة)، أو لفظ الاسم ب(كسر الكاف) وذلك اعتمادًا على (لسان العرب) الذي يذكرهم بالضم، وينسبهم إلى اليمن، أو اعتمادا على سليقة بعض اللهجات العربية. وقد جاء في شرح معنى لفظ (كرد) في (لسان العرب) ما يلي:
الكرد: الكَرْدُ: الطَّرْدُ. والمُكارَدَةُ: المُطارَدَةَ. كَرَدَهُمْ يَكْردُهُم كَرْداً: ساقَهم وطرَدَهِم ودفَعهم، وخص بعضهم بالكَرْدِ سَوْقَ العَدُوّ في الحَمْلَة. وفي حديث عثمان، رضي الله عنه: لما أَرادوا الدخول عليه لقتله جعل المغيرة بن الأَخفش يَحْمِلُ عليهم ويَكْردُهُم بسيفه أَي يَكُفُّهم ويطْردُهُم. وفي حديث الحسن وذكر بيعة العقبة: كان هذا المتكلم كَرَد القومَ قال لا والله أَي صَرَفَهم عن رأْيِهِم وردَّهم عنه.
والكَرْدُ: العُنُقُ، وقيل: الكَرْدُ لغة في القَرْدِ وهو مَجْثم الرأْسَ على العنق، فارسيّ معرّب. والحقيقة في الكْرد، أَنه أَصل العُنق. وفي حديث معاذ: أنه قَدِمَ على أَبى موسى باليمن وعنده رجل كان يهوديّاً فأَسلم ثمَّ تَهَوَّد، فقال: والله لا أَقعُدُ حتى تضرِبوا كَرْدَه أَي عنقه والكُرْدُ: الدَّبْرَة، فارسي أَيضاً، والجمع كُرُودٌ، والكُرْدة كالكُرْد. والكُرْد، بالضم: جيل من الناس معروف، والجمع أَكراد.
والكِرْدِيدةُ: القِطْعَة العظيمة من التمر، وهي أَيصاً جُلَّةُ التمر.
إلا إن حقيقة لفظ (الكورد) لا تعود لجذر الكلمة العربية (كرد) وأنما للفظ غير عربي أصلا، لفظ (سومري) هو جذر ومبنى لفظ الكلمة ألا وهو ال(كور). وال(كور) كلمة سومرية تعني (الجبل)، ومن اشتقاقات النسب في السومرية، كما جاء في بعض المصادر، إضافة الياء أو الدال والياء أحيانا. بحيث يكون معنى لفظ (كوردي) بالسومرية هو (الجبلي)، وهي التسمية التي كان السومريون يطلقونها على سكان الجبال المجاورة، والحضارة المجاورة التي تسمى تاريخيا ب(الإيلامية) أو (العيلامية) كما تذكر بعض الكتب.
ومن هنا فان لفظ (كوردي) هو سومري الأصل، وقد جاء ذلك في بعض الرقم والوثائق السومرية التي تعود للألف الرابع والثالث قبل الميلاد.
سكان الجبال الكورد
في أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع والفلسفة من جامعة برلين الحرة في العام 1978، ذكرت الباحثة الألمانية (هانالوره كوخلر)، معتمدة على مصادر علمية وتاريخية عديدة، بأن أول ذكر للفظ ( الكورد) جاء في بعض الرقم والوثائق السومرية في الألف الثالث قبل الميلاد.
كما يذكر العالم (جودفري درايفر) في كتابه ( وثائق ملوك سومر وأكد) الصادر باللغة الأنكليزية في العام 1923، بأن تلك الوثائق والرقم الطينية تذكر شيئا عن (بلاد الكورد) وبنفس اللفظ تقريبا. وقد أكد المستشرق الروسي (مينورسكي) على ذلك أيضا، وقد جاء لفظ(كوردا)، كما يؤكد كل من (درايفر) و(مينورسكي)، في رقم آخر من الألف الثاني قبل الميلاد يتحدث عن سكان الجبال المجاورة، وبالتحديد يتحدث الرقم عن حرب الملك السومري (تيغلاث بيلسر) مع ال(كور – تي – ن) في منطقة الجبال المجاورة.
مثلما يرد ذكرهم بهذه التسمية في وثائق الألف الأول قبل الميلاد، ثم في النص الأغريقي (آنابازيس أو رحلة الألف ميل) المكتوب في حوالي 400 سنة قبل الميلاد من قبل الكاتب الإغريقي (زينوفون). كما ورد ذكرهم في المصادر القديمة تحت ألفاظ مقاربة مثل: (كوردايا، كوردوين، كاردو، كاردا، كورداواي، كارتاوايا، كوردي). وقد أكد على ذلك المستشرق الروسي (بيتر ليرخ) في كتابه (بحوث حول الكورد ) الصادر في العام 1858 في مجلدين بسانت بيتربورغ.
وقد أورد العالم الكوردي الجليل (محمد أمين زكي) العديد من هذه الآراء، وأخرى لا تختلف عنها في كتابه المهم (خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان)الذي صدر بالكوردية في العام 1931 وترجم إلى العربية في العام 1939. لكن، وللأمانة التاريخية، فأني وجدت في إحدى هوامش كتاب (خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان) للعلامة الكوردي الجليل (محمد أمين زكي) إشارة مهمة أيضا تؤكد بأن لفظ (كوه) في اللغات الآرية واللغة الجركسية تعني (الجبل). وإذا ما ربطنا هذا الاستنتاج ببعض الآراء حول أصل السومريين بأنهم نزحوا من منطقة (الكو - كاس)، فهذا يعني بأن اللفظ ربما جذره آري – سومري.
وبعيدا عن التوغل التاريخي في بحث أصل الكورد، فأن لفظ ( كورد) هو ما تم تناقله عن السومريين الذين كانوا يقصدون بلفظ ال(كوردي) بما معناه اليوم ال(جبلي)، من حيث إن لفظ (كور) في السومرية يترجم اليوم الى (الجبل) بالعربية.
وبرغم أن اللغة السومرية قد انقرضت منذ آلآف السنين، إلّا إن بعض مفرداتها لازالت حية في اللغة الكوردية الجنوبية، وفي لفظ (الكورد) نفسه، فلازالت اللغة الكوردية تضم أكثر من لفظين للجبل، أحدهما هو (جيا) الشائع في كوردستان اليوم، والثاني هو (كو) بحذف (الراء)، حيث تسمى المناطق الحدودية بين العراق وإيران اليوم ب(بيشت كو) و(بيش كو)، أي (ماوراء الجبل) و(ما قبل الجبل). بل وبقيت هذه اللفظة في اللغة الفارسية أيضا حيث تلفظ (كوه). وبالتالي فان جذر الكلمة هو(كور) وليس (كرد) كما جاء في معجم (لسان العرب)، وعليه فان كتابة الاسم (كوردي) هي الأسلم تاريخيا وليس( كردي)، ووطنهم هو (كوردستان) وليس (كردستان).
ولكن الاعتماد على لفظ (الكورد) السومري أو الآري الذي شاع في تسمية الشعب أو الشعوب التي عاشت في منطقة جبال زاغروس المجاورة في نفس الحقبة السومرية قبل ستة آلاف الى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد لا يجيب عن السؤال: من هم هؤلاء الذين كانوا يسكنون الجبال المجاورة؟ وماذا كان اسمهم الحقيقي؟ وماذا كانو يطلقون هم على أنفسهم؟. فبعض العلماء والباحثين يجدون بعض الصلات والتداخلات بين السومريين وسكان جبال زاغروس.
الإيلاميّون السومريون واللور
الباحثة الألمانية (باربارا غوتمان) تؤكد في بحث لها بعنوان( لورستان الغارقة في القدم) بأن الحديث عن أول شعب سكن منطقة جبال زاغروس الفاصلة بين بلدان إيران والعراق وتركيا اليوم يكاد يكون لغزا محيرا، لاسيما وأن الآثاريين والمنقبين قد عثروا على حلي وقلائد وأدوات تعود للألف السابع والألف الثالث قبل الميلاد. وتؤكد الباحثة بأن كل الدلائل تشير إلى أن هذه المنطقة كانت شهيرة في الأزمنة القديمة بتربية الجياد، كما كانت هذه المنطقة شهيرة باكتشاف البرونز واستخراجه وصناعته. وقد تاثرت شعوب وادي الرافدين بذلك فأخذته عنهم ثم طورته أكثر. لكن برغم كل التنقيبات والمكتشفات الآثارية فأن أصل هذا الشعب وديانته غير معروفة، فهو قد سبق هجرات الآريين إلى منطقة إيران والهند والتي خرج عنا الميديّون والفرس.
بيد إن الوثائق التاريخية تشير أيضا إلى أن أحفاد هذا الشعب ما زالوا في منطقة لورستان وخوزستان الحاليتين، أي هم أحفاد الإيلاميين أو (العيلاميين)، الذين كانت لديهم حضارة عريقة تمتد على طول جبال زاغروس، وهم الذين احتلوا بلاد سومر لقرون عديدة، برغم ان بعض المباحث التاريخية تخمن وجود علاقة قرابة وتداخل نسب ووشائج لغوية بينهم وبين السومريين.





