مقدمة
الأنثروبولوجيا هو العلم الذي يختص بدراسة سلوك الإنسان في الماضي والحاضر. ويرتبط علم الاجتماع بالأنثروبولوجيا ارتباط وثيق، لأنه يتناول البناء الاجتماعي والوظائف الاجتماعية للأفراد والجماعات وارتباطهم بالبيئة والدين والتقاليد والعادات والنظم السياسية..
والأنثروبولوجيا السياسية هي فرع من الأنثروبولوجيا تهتم بدراسة الأنظمة السياسية والسلطة في المجتمعات البشرية. وكيفية تنافس الأشخاص على السلطة وتوظيفها لحكم البلاد, كما اهتمت بدراسة بنية النظم السياسية باعتبارها جزء من بنية المجتمعات وهذه الدراسات قامت بالتركيز على المجتمعات الأصلية والقبلية وروابط القرابة الاجتماعية فيها كمفتاح لفهم النظام السياسي في المجتمعات التاريخية. وقد تطورت هذا الفرع بشكل كبير خلال القرن العشرين، الذي ركز على فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع والمواطنين.
الأنثروبولوجيا السياسية المعاصرة
أما الأنثروبولوجيا السياسية المعاصرة فقد تطورت الى أشكال جديدة من الجدالات في الانثروبولوجيا السياسية حيث بدأت مع أفكار ونظريات ماكس غولكمان عام 1949 والتي عرفت ( بمدرسة مانشستر) الذي ركز فيها على (دراسة العمليات الاجتماعية وتحليل الأنظمة والبنى السياسية المبنية على الاستقرار النسبي. والتي اعتبر فيها ان الصراعات السياسية ساهمت في تأسيس النظام الاجتماعي والسياسي والحفاظ على استقرار النظم السياسية, وذلك من خلال تأسيس وإعادة وانشاء العلاقات والروابط المتداخلة بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين) {1}
وتعتمد الأنثروبولوجيا السياسية المعاصرة على مفاهيم مثل الهوية والانتماء والسلطة والحرية والعدالة، وتهدف إلى فهم كيفية تشكل هذه المفاهيم وتأثيرها على الحياة السياسية والاجتماعية. ومن أهم المساهمات التي قدمتها الأنثروبولوجيا السياسية المعاصرة هي تحليل العلاقات بين الدولة والمجتمع، وكيفية تأثير السياسة على الحياة اليومية للناس. كما تركز هذا الفرع أيضًا على دراسة العنف السياسي والصراعات والحروب، وتحليل أسبابها ونتائجها على المستوى الشخصي والجماعي, لا نريد الاستغراق في المدارس والآراء السياسية وتفاصيل المصطلح تاريخيا, بقدر ما نود طرحه من خلال هذا التعريف هو قراءة أنثروبولوجية لبنية النظام السياسي العراقي لقلة الانشغالات في هذا المجال.
التغييرات في النظام السياسي العراقي
ومن هنا ننطلق في القراءة الممكنة للأنثروبولوجيا السياسية لواقع النظام السياسي في العراق لضمان رؤية محايدة للموضوع واسقاطاته على تشكيل بنية النظام السياسي عبر تحليل موضوعي صرف يعتمد الانسان كوحدة أساسية في البناء السياسي للمجتمع وعلى حقائق واحداث مؤثرة في الواقع رسمت ملامحها بشكل ديناميكي على بنية النظام السياسي.
ومن خلال القراءة التي تدرس المجتمع ووظائفه الحيوية ونزعاته الاجتماعية وصراعاته وتغيراته السياسية. نجد ان التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع العراقي لأكثر من نصف قرن مضت من الاحتقان والكبت السياسي والقتل والتهجير والحروب العبثية والحصار أفضت الى تغيير النظام السياسي عام 2003..
وما بعد 2003 حدث ارباك وارتباك في طبيعة العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع وتأثيره على الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وسنطرح في تلك القراءة طبيعة الصراع السياسي الذي جعل النظام السياسي امام تحدي كبير, وعودة الى نظرية ماكس غولكمان هل فعلا ان الصراع يساهم في استقرار النظام السياسي.؟؟
المجتمع العراقي مجتمع موغل في عمق التاريخ الحضاري ضمن جغرافية تثير شهية الدول الاستعمارية. وبلا شك ان العراق كبلد تأثر وأثر في الحضارات الصراعات والثورات والاستعمار الذي عبر ومر على ترابه ولكنه بقى متماسك في صيرورة الحياة والتاريخ لأنه من المجتمعات التي تنظمها النواميس الاجتماعية، لكونه يعتمد على العلاقات والنسب والأعراف والقيم الروحية والدينية والسنن العشائرية وتراكم القيم والتراث، وهذه المفردات منحته الاستمرارية في البقاء.
والقراءة في مسارات الانثروبولوجيا السياسية تكشف لنا السبل المرتبطة بعلاقات الفرد السياسية داخل المجتمع العراقي، وتشق لنا الطريق بمعرفة وإظهار تكوينات ومؤسسات ايدولوجية تعظم فيها السلطة كوحدة قياس تمارس على الفرد وتحدد سلوكه وتكبح حريته كالسلطة الابوية داخل الاسرة مرورا بالمدرسة وبسلطة العشيرة والقبيلة التي تؤثر جميعها على سلوك الفرد الاجتماعية والسياسية, باعتبار الانسان كائن سياسي كما عرفه الفيلسوف اليوناني (أرسطو)





