كفاح محمود
منذ أن تأسست الكيانات السياسية الحديثة في الشرق الأوسط بعد اتفاقية سايكس- بيكو، حاولت غالبية النُّخب السياسية ومفكريها وواجهاتها من القوى والجمعيات والأحزاب نقل التجربة الديمقراطية الغربية إلى تلك الكيانات، دونما دراسة التراكم القيمي والديني والاجتماعي المتوارث في تركيباته، ورغم الكم الهائل من الخسائر الفادحة التي مُنيت بها تلك القوى، إلا أنها لم تحقق الحد الأدنى لطموحاتها وما أنتجته لم يتعدَ ديمقراطية هجينة لا ترتكز على أية قاعدة ولم تتجاوز صناديق الاقتراع الخالية تماماً من الرابط الأساسي والمرتكز الأهم إلا وهو المواطنة التي تُشكل النسيج المحبوك لمكونات المجتمع، وقد فشلت تماماً في ترسيخ تلك الفكرة التي يتمتع فيها الإنسان بحريته الكاملة في التعبير عن الرأي وتقرير المصير والعقيدة والانتماء واحترام الرأي الآخر، ولعلّ تجارب لبنان وتركيا وإسرائيل هي الأكثر قرباً مما كانت تطمح إليه تلك القوى، إلا أنّها للأسف اصطدمت بإرثٍ هائل من تراكمات قبلية ودينية ومذهبية جعلتها وبعد سنوات ليست طويلة في حقل الفشل الذريع، حيث تمزّق لبنان بين القبائل والطوائف، بينما غرقت تركيا في عنصرية تسببت بمقتل وتهجير ملايين الأرمن والكُرد على خلفية مطالبتهم بأبسط حقوقهم الإنسانية والديمقراطية، وفي إسرائيل التي بشّرَ الكثير من مفكريها وسياسيي الغرب بأنها ستكون نموذج الديمقراطية في الشرق الأوسط، فإذا بها تتحول إلى دولة دينية عنصرية في تعاملها مع سكانها من غير اليهود.





