بيان البزاز كان اشبه بحمامة سلام اطلقت وسط أسراب من الجوارح
تنتج الكتابة اثرا إن هي تناولت الجانب الحيوي لموضوعها، عافية عن منهج الاستذكار دون استعبار، لن اكتب عن بيان ٢٩ حزيران ١٩٦٦ الذي ستمر عليه ست وخمسون سنة، وهو المعروف سياسيا و اختصارا ببيان البزاز، اي بيان الراحل عبدالرحمن البزاز رئيس الوزراء العراقي الذي توفي عام ١٩٧٣ لمجرد التنبيه لذكرى البيان الذي كان مشروع سلام داخلي طرفه الثاني هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الراحل الملا مصطفى البارزاني.
بل اكتب متناولا جوانب مؤثرة في الوضع السياسي و التكوين الفكري للطبقة الحاكمة و المتطلعة للحكم في العراق يومها، حيث جرى الانقلاب على الطرف الحكومي من مفصل حكومي عسكري من داخل بنية السلطة نفسها، السلطة التي تحركت وفق مسار يرفع الناصرية شعارا، فكل من الراحلين الرئيس عبدالرحمن عارف و عبدالرحمن البزاز و عارف عبدالرزاق كانوا ضمن ذلك التوجه السائد في العمل السياسي العربي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية.
تحرك عارف عبدالرزاق ليقود ثاني محاولة انقلاب في اليوم التالي لبيان البزاز، و ان كان قد كُتِبَت الخيبة للمحاولتين، الا ان ضرر المحاولة الاخيرة انسحب على واقع الصاحب الحكومي للبيان، الى واقع و مستقبل البزاز نفسه والذي استقال لاحقا حيث صارت قضية تحييد الجيش و تجنب تلقي مفاجأت انقلابه اهم عند السلطة من بناء شرعية وطنية.
قد يكون عارف عبدالرزاق سرع دون ان يدري بتحرك طرف حزبي آخر هو البعث ليدخل القصر بحضور مدني و عسكري ليخلع عبدالرحمن عارف في تموز ١٩٦٨ فقد كان منطق السلطة و الساعين لها لا يخرج عن اطار البندقية التي تحتل الاذاعة لتبث بيانها ذي الرقم واحد.
ايا كان تقييم الطرف الحكومي يومذاك لحقيقة نوايا أو جدية التحرك لبيان البزاز، فنحن نحافظ على تقييمنا بأهمية البيان ومعنى وجود شخص مثل عبدالرحمن البزاز- وهو نموذج قليل التكرار في تاريخ الفكر السياسي الحاكم في العراق- فمدنية سياسة البزاز حتى مع ملاحظات حول تأييده لحركتي مايس و الشواف وهي ملاحظات صارت سلبية و ايجابية بسبب تضاد فكر قادة انقلابات العراق، مدنية تفكير تعكس التشخيص الذكي لحل عادل لقضية الشعب الكوردي والديمقراطية في العراق، حل فهم ظروف تشكيل الكيان السياسي للعراق بعد ثورة العشرين، حيث اجبرت القوى الكبرى التاريخ بالخضوع لجغرافيا ما بعد الدولة العثمانية، وهذا امر احسب ان البزاز قد عاصره و فهمه، و ادرك ان شعب كردستان لم يقم بثوراته و انتفاضاته و لم يشهد تاريخه الحديث ضمن الدولة الوليدة كل هذا الجهد العسكري والامني القمعي لولا خطأ في عقلية السلطة التي لا تعرف الا الحلول الملهبة للقضايا بعيدا عن الحلول الخلاقة.





