"الإزاحة السياسية الناعمة من تؤمن بصناديق الاقتراع والتي لا تستخدم فيها الضوضاء الإعلامية"
من يراجع التاريخ منذ أحداث عام ١٩٠٠ ميلادية ويطلع عليها عن كثب سيرى بالعين المجردة شواهد عديدة تثبت دور الاقطاب المتصارعة ومخابرات الدول العظمى في قلب أنظمة الحكم في أية دولة من دول العالم باستخدام سياسة "تشابك أذرع الأخطبوط" وبطرق ديمقراطية غير كلاسيكية لا تستفز أحدا ولا تخلق زوابع سياسية تثير الجدل وهذا ما تعمد إليه دوماً الإدارة الأميركية في تصفية الخصوم الدوليين باستراتيجيات تتناسب طردياً مع خلق وإدارة وحل الأزمات التي تؤدي بدورها إلى هزات ارتدادية سياسية لها دور فاعل في زعزعة أمن واستقرار الدول المستضعفة أو حتى القوية منها، ومثال على ذلك مساهمتها في تفكيك الاتحاد السوفيتي مستغلة الأوضاع الاقتصادية المتردية لدى الأخيرة لرفع تكلفة استكشاف الفضاء وسباق التسلح بين القطبين الذي بدأت ذروته بين مطلع عام ١٩٥٣ وحتى عام ١٩٥٩، بل الأدهى من ذلك الحياكة المحبكة والدقيقة لإسقاط حكومة رئيس غواتيمالا " جاكوب أربنيز" في عام ١٩٥٤ من خلال عملية انقلاب نوعية ومدعومة من قبل CIA الأميركية.
الطريقة الأميركية لتغيير نظام الحكم في العراق بعد عام ٢٠٠٣ تختلف جذرياً عن جميع الأمثلة السابقة لأن الإرادة الدولية كانت منقسمة كلياً على نفسها ولم يكن قرارا موحدا كما كان في قرار غزو العراق للكويت والدليل انفراد الإدارة الأميركية بقرار الاحتلال بهدف تدمير أسلحة الدمار الشامل التي فشلت في إيجاده او العثور على شيء يتعلق به فتغيرت النبرة آنذاك إلى تصدير الديموقراطية لمنطقة الشرق الأوسط وتخليص العراق من الحكم الديكتاتوري ليكون إنموذجا يحتذي به من بقية الدول المجاورة له، مما أثار حفيظتهم وانزعاجهم على اعتبار أن ذلك يهدد وجود تلك الأنظمة الشمولية التي هي مشابهة الى حد ما للنظام السياسي لدينا قبل عام ٢٠٠٣.
فأذا اردنا أن نصنف الديمقراطية لدينا سنجد أن هنالك اختلافاً كلياً عن بقية الديمقراطيات الأخرى لإنها نتاج لإرادة دولية وأميركية لم يتم دراسة أبعادها وحيثيات وآلية دخولها وقبولها والتثقيف لأجل تطبيقها بصورة تدريجية لكي لاتحدث شرخاً مجتمعياً في حال كان هنالك سوء في التخطيط لذلك كان وقع الصدمة Shock time لدينا ليس له لون ولا طعم ولا رائحة.
بل حتى شكل وعنوان النظام السياسي لا احد يستطيع ان يعطي له وصفا حقيقيا ومنطقيا ودقيقا يبرز الهوية الحقيقية للدولة أمام المجتمع الدولي، لان الديمقراطية مازالت مبهمة ذات لون رمادي ممزوج مابين الإسلامية والليبرالية والعلمانية والتي لاتنسجم كلياً مع طبيعة مجتمعية ذات ألوان فسيفسائية تؤمن بالهوية الوطنية بعنوانها الرئيس وليس الفرعي ولاتؤمن بالانشطار الأميبي الذي قد يعصف بالتعايش السلمي كما حدث في راوندا في عام ١٩٩٣ بسبب التناحر مابين قبائل التوتسي الهوتو.





