لعلّ أكثر ما يخشاه إيران هو التقارب المستمر للمصالح الروسية والتركية
زاكروس عربية- أربيل
تكافحُ كلاً من روسيا وإيران لإبقاء سوريا في (الحجر) غير الصحي، في سباق توطيد الأقدام على الساحة السورية، كلٌ وفق معايير مصالحه الخاصة، ويتّضح حجم الخلافات السياسيَّة بينهما من خلال ما تراه إيران إقصاءً لها من تفاهمات موسكو مع أطرافٍ إقليميَّة ودوليَّة، فمع تطور الأزمة، تباينت مصالح الدولتين، وظهرت صعوبة التعايش متجاورين.
هناك جملة من الشُكوك العميقة والممتدة تاريخيًّا، تجعل عامل الثقة بين الحليفين المتآمرين متذبذبة، كما أن انحسار الاهتمام بالقضايا الدولية، وبقاء القوات الأجنبية والمرتزقة في سوريا، يُعطي انطباعًا بأنَّ حدة الخلافات حول طريقة تعاطيهما مع الشأن السوري وصلت تقريبًا إلى مفترق طرق.
أما الأهمّ فهو التفاهمات المنفردة الجارية بين روسيا وتركيا وواشنطن وإسرائيل، بمعزلٍ عن إيران، ولعلّ أكثر ما يخشاه إيران هو التقارب المستمر للمصالح الروسية والتركية في وقتٍ يتصادم طموح طهران مع الطموح التركي حول مِلفاتٍ عدة.
تُدرك إيران أن تركيا منافسٌ إستراتيجيٌ تاريخيٌ كبيرٌ لها على النفوذ والتوسع في سوريا، وتخشى طهران من أن يُعيد التاريخ نفسه وتصبح أنقرة إحدى العقبات الإستراتيجية الكبرى في سوريا خاصةً بما تملكهُ الأخيرة من مقومات تمكين قوية بالارتكاز على عضويتها في حلف الناتو، وعلى شراكتها القوية مع روسيا في إدارة الملف السوري، وعلى مبررات الجوار الجغرافي وأمن حدودها، بذريعة ملاحقة العمال الكوردستاني، فضلاً عن الكثير من الجماعات العسكريَّة من المعارضة السورية القابعة تحت إدارة وإشراف تركيا، بل يتلقون الأوامر من أجهزة المخابرات التركية، وبالتالي فإنَّ مصدر القلق الأساس لدى النظام الإيراني، هو أنه ثمّة توافقا غير معلن بين السياستين الروسية والتركية، حول مستقبل سوريا، تهدد الوجود الإيراني في سوريا.
ومنذ بداية الأزمة، عملت تركيا على إحداث تأثيرٍ ثقافيٍّ وديموغرافي في المناطق الكوردية من سوريا، ولا ترغب في حضورٍ إيراني ولو بسيط في هذه المنطقة، إذ قامت بتغيير التركيبة البشرية وتغيير هُوية المكان وإكسابه طابعًا تركيًا في مناطق الحدود مع سوريا، وتهدفُ من ذلك إلى خلق نطاقات سُكانيَّة واجتماعيَّة خاضعة لها في مناطق الحدود، بجعلها منطقةً خاضعةً للفصائل والتنظيمات السياسيَّة والعسكريَّة المدعومة منها التي تسيرُ في فلكها.
فكثيرٌ ممَّن يسكنون المدن المحتلة (تركيا) من كوردستان سوريا الآن هُم ليسوا من أبنائها، بل أعضاء وعائلات تلك التنظيمات وفصائل النهب والتعفيش التي استقدموا إليها بعد احتلالها، كعملية تطبيع وبسط نفوذ بغض الطّرف من روسيا والولايات المتحدة.
لاشك أن إيران قلقةٌ من استمرار تركيا في هذا النهج وسط صمتٍ روسي، وعلى الرغم من أنَّ إيران وتركيا سبقَ ونسقتا سويًا حول التحرك القومي الكوردي وخاصة أثناء عملية الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان في سبتمبر 2017م، وهناك تنسيق جارٍ بينهما لمنع تواجد أي نفوذ كوردي في كوردستان سوريا، إلّا أنه بدا واضحًا أن تركيا تنفردُ بالتنسيق مع روسيا، فهي تتبنى خيارات إستراتيجية مع الغرب، (حلفائها في الناتو)، مما أظهرت أنَّ التحالف الإيراني-التركي في سوريا، ليس إلا تحالفًا تكتيكيًّا مرحليًّا لا إستراتيجيًّا، سيزول بزوال أسبابه ومسوغاته.
فهي ترى أنَّ هذا المِلف يكتسب أهميةً أكبر بمراحل من الخطر الذي تزعم تركيا أنه يُواجهها من خلال سيطرة كوردية على المناطق المحاذية لحدودها، فتبقى طهران مستاءةٌ جرّاء التفاهمات التركية مع روسيا ، بادية حرصها على استمرار علاقاتها مع تركيا، على المستويات المختلفة، وتسوّق بأنها علاقاتٌ إيجابية، بل إنَّ طهران ربما ستلعب بشكلٍ أكبر دورَ الوسيط بين تركيا من جهة والنظام والكورد من جهةٍ أخرى.





