حتى أن السابقين من سلفنا كانوا يصفون اللصوص بالشطارة أو ربما بالشجاعة أيضاً،
الفهلوة مفردة من الدارجة المصرية يقابلها في الدارج العراقي الكلاوات، وقد بحثت عن مفردة في فصيح اللسان العربي تعبر عن معنى ما جاء في المفردتين الدارجتين بدقة بلاغتهما فلم أجد، لكنني وجدت العديد من المفردات الأخرى تقترب في بعض التوصيفات من الكلمتين وهي الهكاص والخباص والأزعر والملعّب ومسّاح الجوخ، وفي جميعها لم أجد ما يعبر بدقة كما عبرت عنه المفردتين في توصيف سلوك بعض الأشخاص في المجالين السياسي والإعلامي ناهيك عما يُعرف بالنفاق الاجتماعي ومجاملاته الكاذبة، وأبرز ما يمكن مقاربته مع المفردتين (أي الفهلوة والكلاوات) هو التحايل والنفاق والغش والتمويه لغرض تمرير أمر ما لمصلحة ومنفعة معينة تقع ضمن تعريف الارتزاق أو النفعية البغيضة، وبالتأكيد لا ينقص صاحبهما نوع من الذكاء الشيطاني الذي يطلق عليه هنا بـ"الشطارة”، حتى أن السابقين من سلفنا كانوا يصفون اللصوص بالشطارة أو ربما بالشجاعة أيضاً، وما أشبه اليوم بالبارحة فقد أصبحت عمليات الفساد وجمع السحت الحرام من المال العام شطارة وفهلوة.
لقد انتشر هذا الوباء النفسي والسلوكي بشكل مريع في أوساط السياسيين والصحفيين والإعلاميين، رغم وجوده أصلاً لكن بشكل غير وبائي، حيث توفرت له بيئة جعلته ينمو بشكل مضطرد أقرب ما يكون في نموه وانتشاره إلى الانشطار اليوغليني في هذه الأوساط التي انتعشت جداً في هذه البيئة الشمولية التي تعبد الأشخاص أو الأحزاب أو الأعراق أو المذاهب والأديان، وتجعل منهم أنداداً من غير الله، بل تصل درجة الفهلوة أو الكلاوات في صيغة النفاق والتدليس إلى درجة أن يقول أحدهم لرئيسه أنك الوحيد الأوحد ونعمة السماء على الأرض، وينفرد آخر بطلب عاجل لاستنساخ رئيسه قبل فوات الأوان، وهكذا يتمادى هؤلاء المشعوذون حتى يحولوا رؤسائهم إلى آلهة صغيرة أو أنبياء ورسل، وإذا تواضعوا اعتبروهم في مصافي الصحابة والأولياء والأئمة، وفي كل هذا المديح أو التدليس أو كما يسمونه هم أصحاب الفهلوة والكلاوات بأنها شطارة لتحقيق هدف ذاتي لا يتجاوز السلطة من خلال منصب ما أو مال بدون استحقاق أو جهد نبيل، وفي كل الحالات تبدو المعادلة بين الطرفين متساوية، أي بين الفهلوي والكلاوجي من جهة وبين من يتقبلها ويشجعها من جهة أخرى!





