إحراق الأخضر واليابس تحت مختلف الشعارات الرنانة والجوفاء وبثياب دينية ومذهبية
في مخرجات ما أطلق عليه بالربيع العربي، الذي بدأت بواكيره على الطريقة الأميركية في إزاحة مؤسسة النظام في العراق، حيث نجحت القوة الأميركية ومن حالفها، سواء في العراق أو بعده في ليبيا وسوريا واليمن، ومن تحت الطاولة في بلدان أخرى، نجحت في تدمير كرسي الحكم وهيكل الإدارة، حيث هرب الدكتاتور مخلّفاً وراءه أفواجاً من اللصوص والقتلة، كما شهدناه على أرض الرافدين، حينما أطلق رئيس النظام، حينها، سراح كبار المجرمين والسفاحين واللصوص والقتلة قبل هروبه بعدّة أشهر، وتحت شعار ناعم هو تبييض السجون، لكي يكملوا المشوار من بعده مع مجموعات إرهابية عقائدية تم استيرادها قبيل حرب احتلال العراق بفترة وجيزة، فيما أوصى أركان حكمه وقيادات نظامه بسرقة ونهب كل موجودات البلاد ومخازنها ومعسكراتها وآلياتها، من سيارات وأسلحة في أبشع عملية إفراغ للدولة من مكنوناتها المادية والعسكرية والوثائقية والفنية والمتحفية.
وفي الوقت الذي انكفأ دكتاتور العراق في حفرة تحت الأرض ليواري عورته وجرائم نظامه، حلّق دكتاتور تونس طائراً في الأجواء تاركاً منظومة متكاملة ممن تقع عليهم مهمة اغتيال الثورة أو الانتفاضة، حيث بدأت فرق الغوغاء بالانتشار في المدن والبلدات على طول البلاد وعرضها، لكي تثبت لتلك الجموع الثائرة ودول الجوار قبل غيرهم بأنّ ما يحدث هو نتيجة لغياب منقذ الأمة ومخلّصها الهارب، كما يفعلون في العراق منذ سنوات، في إحراق الأخضر واليابس تحت مختلف الشعارات الرنانة والجوفاء وبثياب دينية ومذهبية، وهم يستهدفون الأهالي العزل في الشوارع والأسواق والمساجد والكنائس والمدارس بنافورات من الدماء التي لم تنزف فيها قطرة من دماء المحتلين.
صحيح أنّ دكتاتور تونس شدّ الرحال هارباً إلى جنة أخرى بعيدة عن قصره وعبيده، إلا أنّه ترك نظاماً أشرف على تربيته وصناعته لأكثر من عشرين عاماً، بذات الفكر والنهج، كما فعل النظام هنا في العراق، وترك سلوكيات ونهجاً في الثقافة والتفكير تعمل على إبطاء التقدّم، وتعرقل تحقيق الأهداف النبيلة في بناء بلد ديمقراطي حر، حيث استغلّت تلك القوى البديلة سلالم الديمقراطية في مجتمعات غير مؤهلة بالكامل لممارسة هكذا نظام، وتحت ضغط الشعارات العقائدية المرتبطة بالدين والمذهب والفتاوى، لكي تتبوّأ ثانية مراكز القرار، كما فعلت في مصر، وحاولت كثيراً وما تزال في تونس وفي اليمن، ناهيك عما حدث ويحدث في سوريا، التي حصرت النظام في زوايا ضيقة وشتتت البلد بيد ميليشيات ومافيات وعصابات تعتمد في معظمها الغطاء الديني السهل لتنفيذ عملياتها الإرهابية، كما يحصل اليوم في عفرين المستباحة، وفي كثير من المناطق الأخرى ذات الإدارة شبه المستقلة، بينما تم تقزيم النظام وتقطيع معظم أذرعه، والإبقاء على هيكله لحين اتخاذ القرار بمصيره.





