تفعيل التطبيع مع العرب باعتباره مؤشّراً لـ"السلام" ودعامةً له.
كان هناك إجماع على أن جولة مايك بومبيو انتهت بلا نتائج، بل بخيبة أمل، لماذا؟ لأن معظم العواصم، لا العربية وحدها، دخل مرحلة انتظار الانتخابات الرئاسية، أي أن وقت المراهنات على دونالد ترامب وإدارته قد فات. الأرجح أن تلقى جولة جاريد كوشنير ووفده المصير نفسه، ولن يكون ذلك مستغرباً. فهذا التحرك في ربع الساعة الأخير، وفي السياسة الخارجية، لا يمكن أن يُحدث تغييراً جوهرياً في مزاج الناخبين الأميركيين. سيكون التصويت، كالعادة، وفقاً لما أنجزه ترامب في الداخل، تحديداً في الاقتصاد وفي إدارة أزمة وباء "كورونا"، ومن هنا تركيزه أخيراً على التبشير بظهور اللقاح المرتقب عشية الاقتراع.
لكن حسابات الماكينة الانتخابية ظلّت تُظهر لترامب حاجته الى أصوات اليهود الذين يميلون تقليدياً الى الحزب الديموقراطي، لذا اعتمد باكراً على قدرة بنيامين نتنياهو على اختراقهم واجتذاب قسم منهم الى جانبه. ومن جانبه، استغلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي هذه "المهمة" ليحفّز ترامب على الإسراع في إعلان "صفقة القرن" لتكون حجّته أقوى في إقناع اليهود الديموقراطيين. وقبل شهرين من الاستحقاق الانتخابي، ليس واضحاً ما إذا كان نتنياهو قد أنجز ما عليه، ثم إن حظوظ ترامب تزعزعت بفعل عوامل أخرى (تداعيات اقتصادية للفيروس، اضطرابات اجتماعية بعد مقتل المواطن الأسود جورج فلويد). في المقابل، أدّت الآثار السيئة المتوقعة لـ"صفقة القرن" الى اصطفافات دولية لم تكن محسوبة، وما لبثت أن تفاقمت بعد طرح خطة "ضمّ الأراضي" في الضفة الغربية، ما اضطر الجانب الأميركي الى تجميدها موقّتاً. ولئلا يبدو ذلك إخفاقاً لـ"الصفقة"، ارتأى الثنائي ترامب - نتنياهو، ودائماً بهاجس انتخابي، تفعيل التطبيع مع العرب باعتباره مؤشّراً لـ"السلام" ودعامةً له.
هذا ما جاء ببومبيو الى المنطقة ليبني على "زخم الاتفاق من أجل السلام الإقليمي"، وهذا ما جاء بكوشنير ليبني على ما بناه بومبيو. لكن الحصيلة التي غادر بها الأخير لا تدعم مسعى مستشار ترامب وصهره، إذ جرى الترويج أنه يعمل على "قمة إقليمية للسلام" يمكن أن يشارك فيها المغرب، بل تردد أن تشاد ستكون في عدادها، وربما تنضم إليها دول أفريقية أخرى. كالعادة، يتحرّك كوشنير بتخطيط إسرائيلي موجّه، وربما يعتقد الصهر أنه يخدم حملة عمّه الرئيس، خصوصاً أن المنافسة الانتخابية تبدو ضيّقةً جداً. ويدرك الجانب الأميركي أن الأطراف التي يستحثّها، تحديداً العربية، لم تدر ظهرها لترامب ولم تشرع بعد في المراهنة على جو بايدن، إلا أنها تتردّد في استجابة مسعى كوشنير، سواء لأنه متأخر ولا يحمل أي مصلحة لها، أو لأنه يُوظّف بطريقة قد ترتدّ عليها لاحقاً. فالدول التي يمكن أن تتقارب مع إسرائيل فعلت ذلك، وهي ماضية في تطوير العلاقة معها، وبالتالي فهي لا ترى ضرورة للتدخّل في فعاليات يستخدمها ترامب ونتنياهو انتخابياً.





