أما التفاهمات والاتفاقات بين البيشمركه والقوات العراقية، رغم كثرتها ورغم رعاية قوات التحالف الدولي لبعضها، فمازالت حبراً على ورق بسبب الظروف السياسية والخلافات والصراعات المتشابكة، والمشكلات العالقة بين بغداد وأربيل، وبسبب الفوضى المستشرية في المؤسسات العراقية، وإستفراد الأذرع العسكرية بصياغة المشهد السياسي، وتحكمها بجميع المفاصل.
التطوّرات الأخيرة التي حصلت على الأرض في تلك المناطق، عكست واقع التناقضات المعقدة التي تحيط بالأزمات العراقية، وفرضت تساؤلات جمّة في أذهان الكثيرين فيما يتّصل بمستقبل هذا التنظيم وتأثيراته على الأفق الأمني والسياسي. تساؤلات تؤرق المراقبين للأوضاع السياسية والأمنية، وسكان المناطق التي تقع خارج إدارة حكومة إقليم كوردستان، وبالذات المناطق التي شهدت الإحتلال الداعشي ومشاهد التعذيب والاغتصاب والتجويع والاستعباد، والذين تعرضوا للإجحاف والظلم وتكبدوا عنفا جسدياً ونفسياً عميقاً، ك (من المستفيد من عودة داعش)، و(هل يمكن تكرار سيناريو 2014، وإستكمال المؤامرة التي حيكت ضد الكورد والعرب السنة)؟.
التقييم الحقيقي والموضوعي لهذا المشهد المدهش برمته يوحي الى أنّ الأمر برمته يدور في إطار إدارة الأزمة، وتحت السقف المرسوم الذي لايقبل تبديل أي شىء بآخر. ومايحصل مجرّد تكتيك مدروس للحفاظ على الأمر الواقع، وتوزيع للأدوار أو إعادة هيكلة شبيهة بما حصل في تجارب سابقة تم فيها زيادة شدة الصراع في المناطق التي شهدت التجاذبات والتشابكات والتوافقات في المصالح وتناقضاتها، والتي تتميز بخصائص كثيرة من حيث الموقع الجيوسياسي والعسكري والأمني والموارد الاقتصادية بالنسبة لداعش، سواء من حيث أهمية وقوعها بين عدد من المحافظات، والتي أكسبها بعداً إضافيّاً، وجعلها ملجأً محطّ أنظار، ومقصداً لأزلام النظام السابق والتنظيمات المتطرفة كجيش الإسلام والنقشندية والقاعدة وداعش، وتحوّلها الى بوابة لولوج تلك التنظيمات اليها، أو من حيث تحقيق أهداف ومآرب وسياسات خبيثة في هذه المنطقة الحيوية، وتحويل الصراعات فيها الى حالة دائمة. كما تؤكد أنّ الأجندات التي كانت تتربع على تلة مراقبة الأحداث مازالت غير معنيّة بإنهاء الأزمات في تلك المناطق وإعادة النظام والقانون اليها، وما زالت تقف حتى هذا اليوم وراء فكرة منع عودة البيشمركه اليها وحمايتها، وتتعدّى مسألتي النظام والقانون، لأنها تدور في فلك تحقيق رغبات معينة بأقل تكلفة أو حتى بدون تقديم أي ثمن. وتؤكد أيضاً، أن مَن يمسك بالأوراق المهمة، ويرسم ويحدّد ويضبط آليات اللعبة، جهات لا يراها الكاظمي، أو لايريد رؤيتها أو إنها أكبر وأقوى منه. جهات تريد فرض هيمنتها على الواقع، من خلال رغبتها المحمومة في تفضيل عودة داعش الإرهابي على عودة قوات البيشمركه التي لديها خبرة كافية في الدفاع عن تلك المناطق التي غالبية سكانها من الكورد، خاصة وأنهم حرروها سابقاً من داعش .