ليست شعاراً يتم رفعه وإنما واقع حيوي ملموس لا بل قضية سياسية ذات جذور عميقة تستمد أصالتها من أقدم العصور
يحاول أصحاب العقليات الشوفينية المهَيمنون على مركز قرار النظام السوري والمتعششون في أوساط واسعة من المعارضة السورية أن يتنكَّروا للقضية الكوردية في كوردستان سوريا، وينشطون بحمية، ويحذّرون من تداعيات خروج هذه القضية عن دائرة طوق عزلتها السورية الخانقة، ويسعون بشتى السبل والوسائل إلى طمس الحقيقة الكوردية وإبقاء الملف الكوردي مغلقاً وتحت إبطهم ليبقى ملوّي العنق وصامتاً، ليس هذا فحسب بل تجري أحاديث كواليسية ضغائنية، وأخرى علنية تحذيرية مفادها بأنّ أي حراك كوردي أو حتى مجرّد الكلام عن الخصوصية الكوردية من شأنه أن يجلب الضرر لـ"الوحدة الوطنية" السورية بحسب زعمهم القوموي!!، غير أنّ هذا المسعى المسموم والرامي للإطباق المحكَمْ على الحالة الكوردية وإبقاء الطابق مستوراً...كما يُقال أيضا!؟ هو مسعى عقيم، ولن يجدي نفعاً لأصحابه لأنّه ينمُّ عن قصور في قراءتهم التي باتت لا تتلاءم مع أجواء عالم العولمة الذي باتت كل شاردة وواردة فيه مكشوفة للقاصي والداني، فلتبحث إذاً دوائر الطغيان تلك عن أساليب أخرى من شأنها الإتيان بأنسب الحلول لمختلف المسائل العالقة، وخاصة السياسية منها في هذا البلد المقبل على التغيير أو بالأحرى المعرّض للتقسيم على أيدي الأكثرية العربية المنقسمة حاليا إلى قسمين "النظام والمعارضة" ويحتمي كل قسم منهما بدولة إقليمية ويرفعان شعاراتهما وراياتهما المختلفة إلى جانب أعلام أسيادهما الإقليميين في مناطق نفوذ سوريا مختلفة وعلى شكل جزر أمنية متجاورة ومتحاربة!.
لكننا بحكم خبرتنا بتركيبة وخلفية ونمط تفكير تلك الدوائر الشوفينية التي تدّعي الوحدانية لها ولقوميتها، وبنتيجة معرفتنا للنمطية التآمرية انتهجتها ماضياً، وتنتهجها حاضراً، بتنا كجانب كوردي ندرك بأنّ غايتها هي طمس الوجود الجيوسياسي الكوردي عبر تقويض قدرة إنساننا على التفكير بتنشيط حراكه السياسي الذي بمقدوره أن يرفع من سوية أدائنا وخطابنا وتطلّعاتنا صوب استحصال حقوقنا المشروعة عبر الإعتراف الدستوري بوجودنا كثاني أكبر قومية في إطار حل سياسي شامل مبني على التوافق بين كافة مكوّنات سوريا التي لا ينبغي أن يحكمها سوى نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي يوفّر الحلول المنصفة لكل مشاكلها العالقة.
إنّ القضية الكوردية في كوردستان سوريا بعمقيها التاريخي والجغرافي، وبتطلّعات أهلها المنكوبين بحقوقهم القومية المشروعة، هي بكل تجرّد ليست شعاراً يتم رفعه وإنما واقع حيوي ملموس لا بل قضية سياسية ذات جذور عميقة تستمد أصالتها من أقدم العصور وهي ذات مدلولات حضارية غاية في الأهمية، وبناءً عليه فإنّه بات من غير المنطقي أبداً أن يستمر التعامل مع قضية عالقة كهذه تخص حاضر ومستقبل قرابة أربعة ملايين مواطن كوردي هي جزءٌ مهمُّ من كلٍّ سوري مقبلٍ على التغيير بأعنف السيناريوهات، وفق هكذا منهجيات تنكرية عفا عليها الزمن، خاصة وأنّ معمورتنا قد أضحت ساحة عامرة بالمتطوّرات ولوحة متحركة ممجوجة بالمتغيّرات على شتى الصعد والمستويات والتي قد تتسبّب في تخصيب قضية حرية الشعوب وفي دمقرَطة الكثير من البلدان وفي تقويم مختَلف القيَم والثوابت والمفاهيم وفي إعادة ترتيب العلاقات بين الدول والأمم.
وإذا كانت المصالح الدولية لعالم اليوم قد تحوّلت إلى مُنقلَبٍ يتعارض مع طبيعة النظم القمعية والأفكار الشمولية دونما الأخذ بمشورة الحكام في منطقتنا أي أولئك الطغاة المحاطين بمستشارين عقائديين وحواشي سلطوية وأطقم إستخباراتية، فما هو ذنب شعوبنا المقهورة التي كُتِبَ عليها العيش في هكذا بلدان تحولت إلى مملكات رعب وعنف؟، وأين تكمن المشكلة حينما يتم الإعتراف مثلاً بالقضية الكوردية التي لم تأت لا من الفراغ ولا على حساب أحد؟ وإذا كانت ثمة مشكلة لدى البعض من روّاد التفكير الإستعلائي أليست حماقة منهم حينما يتصورون بأنّ هكذا قضية قد تنطفئ أو تتلاشى؟ وكيف يُقنِعون أنفسهم بأنّ تغييب الجانب الكوردي أو تهميشه بثقافة الإحتكام لطاعة الأكثرية السكانية يمكن أن يجلب الأمن والإستقرار للبلد بمعزل عن حل المسألة الكوردية؟، ثم ألم ييأسوا من إتِّباعهم لأسلوب إدارة الأزمات الذي أثبت فشله الذريع طيلة العقود الماضية؟





