حاضنة أرواحاً غدرت بإنسانيتها دكتاتورية الإنسان
زهرة أحمد
كوردستان الخريطة الجيوسياسية الممتدة بأصالتها عبر التاريخ، تحطمت على شموخها براثن الاستبداد ومحاولات الصهر القومي، تقاسمتها دول بأنظمة دكتاتورية بموجب اتفاقات دولية متجاهلة إرادة الشعب الكوردي، لتمارس تلك الأنظمة أبشع صور الدكتاتوريات بهدف إنهاء الوجود وطمس الهوية القومية من خلال التعريب والتتريك والتفريس، وقد وصل الأمر، في بعض الأحيان لدرجة الجينوسايد.
حدود سايكس بيكو لا تزال تمزق الحلم الكردي، والدول المستفيدة من تلك المؤامرة الدولية، المتجددة في عمق تاريخها المنتهي قانونيا، لاتزال تحارب الوجود القومي بكل السياسات الاستبداية.
إنها تحارب حقوقاً مشروعة أيدتها مواثيق دولية، لتمزق نسيج الحلم الكردي كلما أشرقت خيوطه باتفاقيات سرية وأخرى علنية مع الدول التي تقتسم كوردستان حتى إذا كانت متحاربة معها، فالتنسيق والتعاون والتآمر يكون على حساب تطلعات شعب أصيل تجذرت أصوله في ثنايا التاريخ.
بالرغم من المجازر التي حصلت للشعب الكردي وجرائم الإبادة الجماعية من قبل حكومات بعض تلك الدول إلا أن حل القضية الكوردية وفق المواثيق الدولية بقيت طي التناسي في المحافل الدولية بقيت ورقة ضاغطة تستخدم لتحقيق مصالح بعض الدول التي تتفنن في تحقيق مصالحها حتى على حساب حق تقرير المصير لشعب يملك كافة مقومات الدولة الحديثة وفق القوانين الدولية.
مورست بحق الشعب الكوردي مجازر الأنفال والكيماوي، فكانت المقابر الجماعية والهجرة المليونية، لتكون الجبال كما كانت، الحضن الآمن، والصديق الوفي بل الوحيد، حامية أجساداً أنهكها الاستبداد، حاضنة أرواحاً غدرت بإنسانيتها دكتاتورية الإنسان.
لكن، بالرغم من مسلسلات المآسي والمؤامرات التي استهدفت الوجود والهوية، فقد بقي الشعب الكوردي شامخا كجبالها.
أشرقت شمس الحرية على كوردستان بعد الثورات المجيدة والانتفاضات الشعبية لتعانق رفعة الشموخ على علم كوردستان في ملحمته الثورية وهو يتباهى بقدسيته على البرلمان الكوردستاني.
فكانت الفيدرالية ثمرة دماء الشهداء وبطولات البيشمركة والثورات البارزانية واتفاقيات الانتصار التي رسخت ركائز الحرية والديمقراطية في إقليم كوردستان.
دعا الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان إلى إجراء عملية الاستفتاء في إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم بتاريخ 2017/9/25.
ليصادق برلمان الإقليم في 15 سبتمبر/أيلول 2017 على إجراء الاستفتاء في موعده المقرر.
تضمن الاستفتاء الجواب على سؤال واحد وهو:
هل توافق على استقلال إقليم كوردستان والمناطق الكردستانية خارج إدارة الإقليم وإنشاء دولة مستقلة؟ فكان 25 أيلول تاريخاً مشرقاً، إرادة شامخة تخطت خرائط الاستبداد، ثورة متقدة قادها البيشمركه الأسطورة مسعود بارزاني.
استفتاء 25 أيلول بداية تاريخية لحلم مشرق وحق قانوني مشروع لشعب أراد أن يقرر مصيره بنفسه، ويترجم استراتيجية الثورات البارزانية لإشراقة الحرية في يومها الجديد ليعانق أيلول مجده المقدس المعطر بدماء الشهداء وكبرياء البيشمركة الأبطال التي رسمت تاريخ الشعب الكردي على شموخ جبال كردستان .
يحق للشعب الكوردي في كوردستان العراق حق تقرير مصيره بنفسه لأنه حق خاص بالشعوب صغيرها وكبيرها وكذلك الشعوب في الدولة الواحدة، وينطبق هذا المبدأ على الشعب الكوردي في كلٍّ من سوريا وتركيا وايران، فنتيجة الخارطة الجيوسياسية التي وضعتها الدول الاستعمارية ورسختها الاتفاقيات الدولية فقد تم تكريس تقسيم كوردستان دون الرجوع الى إرادة الشعب الكوردي بين دول أكثر استبدادية في التاريخ. حيث أثبتت وقائع التاريخ بأن الحكم المركزي البعثي في سوريا والعراق ودكتاتورية تركيا العثمانية واستبداد الملالي لم يجلب أحد من هؤلاء للبشرية سوى الخراب والدمار وانتهاك الكرامة الإنسانية وفشلت فشلاً ذريعاً في احترام حقوق الشعوب التي تحتلها وإرادتها الحرة في الحرية والحياة الكريمة بعد أن مورست بحقها أبشع صور الاستبداد والجرائم واصلة إلى درجة الإبادة الجماعية.
إن حق تقرير المصير بما يتضمنه من أبعاد سياسية وقانونية ملزمة ترسخ حق الشعوب في تقرير انتمائها ومركزها السياسي وشكل نظام الحكم لها. فدولة العراق الاتحادية والعقول البعثية على سدة الحكم تماطل في تطبيق الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الدستور العراقي، فلا تزال المادة 140 من الدستور العراقي في أرشيف الإقصاء الحاقد وموضع مماطلة، وتجاهل لتثبت فشل التجربة الفيدرالية وتحطيم آخر جسر للتواصل مع العراق قانونياً، لذلك فمن حق الشعب الكوردي ممارسة حقه في تقرير مصيره بنفسه وفق منظوره السياسي والقانوني عن طريق الاستفتاء باعتباره من الوسائل الدستورية الطبيعية للتشريع الداخلي ومؤكد عليه في القانون الدولي ويتضمن استشارة الشعب حول رغبته في تقرير مصيره بنفسه.
حق تقرير المصير يستند الى فكرة أن “الشعوب هي مصدر السلطات” حتى اذا لم يكن إجراء الاستفتاء بالتوافق مع الدولة التي يقع فيها الشعب الذي يريد أن يستفتي على مصيره وحتى إذا لم تكن هناك أية مادة دستورية في دستور تلك الدولة تشير إلى حق تقرير المصير، فإن الشعوب تلجأ إليها كنتيجة حتمية لتوالي سياسات التمييز العنصرية والمحاولات الجاهدة لطمس الهوية القومية للشعوب في تلك الدولة.
في الدستور العراقي هناك مواد واضحة تؤكد حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه باعتراف دستوري واضح بأن العراق بلد متعدد القوميات.
هذا بالإضافة إلى أن الأمم المتحدة تؤكد دائماً على الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية والتي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتدعم كل خطوة نحو التحرر والاستقلال.
حق تقرير المصير:
«حق شعب ما في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلّه والسيادة التي يريد الانتماء إليها».
اقترن حق تقرير المصير منذ القرن السابع عشر بتعبير حرية الإرادةFree will.
يمكن تعريفه على أنه «حق شعب ما في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلّه والسيادة التي يريد الانتماء إليها».
من الممكن أن يعد نشوء مبدأ تقرير المصير وتطوره تاريخياً ردة فعل ثورية على مفهوم الحق الإلهي "Divine right " الذي قامت عليه أنظمة الحكم في العصور الوسطى، إذ كان إقليم الدولة وسكانه يعدان معاً ملكاً خاصاً للحاكم الذي له بمقتضى سيادته المستمدة من حقه الإلهي أو ما يدعوه «جان بودان»: «السلطة السامية غير المقيدة بالقانون»؛ إذ يمارس سلطته عليهما معاً بصفته مالكاً شرعياً. فإذا تصرّف بجزء من الإقليم شمل تصرفه سكان ذلك الجزء الذي يرتبطون به ويخضعون لمصيره نفسه، ومع تطور الأوضاع ومرور الوقت تولد رد الفعل على المفهوم الديني للدولة، فنمت، وترعرعت فكرة أن السلطة إنما تكمن في الشعب الذي يتمتع بحق غير قابل للتصرف في تقرير شكل الحكم الذي يرغب فيه والدولة التي يود الانتماء إليها.
وإذا كان الرجوع إلى مبدأ تقرير المصير قد استهل في عام 1526 فإنه لم يحدث تطبيقه الفعلي إلا في بيان الاستقلال الأمريكي المعلن يوم 4 تموز/يوليو 1776م، وبعدها في وثيقة حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789م في فرنسا.
عندما حصلت المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبية على استقلالها في المدة من 1810- 1825م خشي الرئيس الأمريكي «مونرو» أن تلجأ الدول الأوربية إلى التدخل في شؤون دول أمريكا الجنوبية، فأصدر عام 1823 تصريحاً تضمن حق تلك الدول في تقرير المصير، كما تعهد تقديم الدعم الأدبي والعسكري لحكوماتها التي قامت استناداً إلى هذا المبدأ.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، قدم الرئيس الأمريكي ودرو ويلسن (Woodrow Wilson)، وثيقة مكوّنة من أربع عشرة نقطة تناول فيها رؤيته للنظام العالمي الجديد آنذاك، وكان "حق الشعوب في تقرير مصيرها" مبدأً مهماً في وثيقة ويلسون، التي قدّمها في مؤتمر السلام في عصبة الأمم. لكن عصبة الأمم، قامت، وتحت تأثير النفوذ الفرنسي والبريطاني، بتقسيم العالم إلى أقاليم وشعوب أوربية، وأخرى غير أوربية. فمُنِحت الشعوب الأوربية الاستقلال بالاستناد إلى هذا المبدأ (مبدأ حق تقرير المصير)، في حين تم خلق نظام الانتداب "Mandate System" في المادة " 22" من وثيقة عصبة الأمم لتطبيقه على الأقاليم غير الأوروبية، والتي كانت لتبقى تحت "العناية والإرشاد البريطاني والفرنسي – الدول المنتدبة " لفترة زمنية غير محددة الى أن تصبح هذه الدول مؤهلة وجديرة بالاستقلال.





