Erbil 28°C الثلاثاء 08 أيلول 06:46

السبحة والبنك.. صعود علي الزيدي في بغداد

بين صفقة في الجادرية واستقبال في المكتب البيضاوي.. سيرة تكنوقراطي مالي يحكم بلداً بلا كتلة برلمانية أو جناح مسلح
Zagros TV

أكرم السياب

في القصر الرئاسي

في ظهيرة السابع والعشرين من نيسان (أبريل) عام 2026، داخل الصالة الرئاسية بالقصر الحكومي في بغداد، وقف رجل في الحادية والأربعين من عمره برداء متأنق ذي قصة حديثة يستلم مقاليد السلطة التنفيذية في البلاد. كان علي فالح كاظم الزيدي يمد يده اليمنى ليتسلم كتاب التكليف الرسمي بتشكيل الحكومة التاسعة في العراق من رئيس الجمهورية غير أن العدسات التي أضاءت القاعة التقاطاً للحظة الاستثنائية كشفت تفصيلاً بائعاً لدلالات أعمق: كانت يده اليسرى تطوق سبحة صفراء مصنوعة من حجر الكَهْرَب، تفرك حباتها بحركة متواترة تحت أضواء الفلاشات.

في تلك اللحظة، لم يكن الزيدي يمثل الامتداد التقليدي للطبقة السياسية التي أدارت البلاد طوال عقدين. لم يخرج الرجل من معتقلات النظام السابق، ولم يقضِ شبابه في منافي المعارضة، بل جاء حاملاً شهادات في القانون والعلوم المالية والمصرفية، وسجلاً من إدارة المجموعات القابضة والبنوك الخاصة. كان أصغر رئيس وزراء يتولى هذا المنصب في تاريخ العراق الحديث، وأول من يصل إلى الكرسي من أروقة القطاع الخاص مباشرة.

لكن طريق الزيدي إلى الصالة الرئاسية لم يُعبد عبر صناديق الاقتراع أو الكتلة النيابية الأكبر التي يمتلكها باسمه، بل صِيغ في جلسة مغلقة لم تتجاوز مدتها خمس وعشرين دقيقة.

صفقة الـ 25 دقيقة

في ليلة السابع والعشرين من نيسان، وفي مجمع منازل قادة الحشد الشعبي بحي الجادرية ببغداد، ساد الوجوم أروقة الاجتماع المغلق لـ "الإطار التنسيقي" — التكتل الشيعي الأكبر في البرلمان. كانت المهلة الدستورية لتسمية رئيس الوزراء تدنو من نفادها، وسط تهديدات صريحة وردت من واشنطن بتقييد تدفقات العملة الصعبة من حسابات النفط العراقي المودعة لدى البنك الفيدرالي في نيويورك إذا ما أُعيد تنصيب وجوه سياسية بارزة فرضت واشنطن في وقت سابق فيشاً ضدها.

تراجع نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون، عن ترشحه بعد أن بدا أن وصوله سيضع البلاد في مواجهة مالية مع الإدارة الأمريكية، كما تنازل رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني عن الترشح مجدداً. في تلك الغرفة المغلقة، كان المطلوب حلاً تكتيكياً يقدم للشارع ولواشنطن واجهة جديدة، دون أن يثير خوف أيٍّ من أقطاب "الإطار" الثمانية.

وقع الاختيار على علي الزيدي. كان الرجل يجلس في غرفة مجاورة حين أُبلغ بالقرار. وافق الأقطاب السياسيون عليه تحديداً لأنه لا يمتلك كتلة نيابية باسمه، ولا يحرك فصيلاً مسلحاً على الأرض.

دفاتر التاجر ودفاتر السلطة

ولد علي الزيدي في بغداد لأسرة تعود أصولها إلى محافظة ذي قار في جنوب العراق. ونشأ في بيئة عائلية أسست لنفوذ تجاري ومالي واسع. فبينما غرس والده الحاج فالح كاظم الزيدي الأسس الأولى لأعمال العائلة، تمدد الأبناء في مجالات متعددة: تولى الشقيق حسن الزيدي إدارة مجلس إدارة "قناة دجلة الفضائية" لتوفير الذراع الإعلامية، بينما برز ابن العم (أو الشقيق) النائب ضياء الزيدي في البرلمان متولياً في الوقت نفسه ملكية "مصرف الجنوب الإسلامي".

خاض علي الزيدي مساراً تعليمياً وتنفيذياً مزدوجاً؛ حصل على بكالوريوس في القانون وبكالوريوس وماجستير في العلوم المالية والمصرفية، وانضم إلى نقابة المحامين العراقيين. وفي عالم الأعمال، أدار "مجموعة الأويس التجارية" التي تنضوي تحتها 15 شركة متخصصة في المقاولات والخدمات اللوجستية والتجارة بين بغداد ودبي، وتولى رئاسة مجلس إدارة "الشركة الوطنية القابضة"، و"جامعة الشعب"، و"معهد عشتار الطبي"، فضلاً عن شبكة هايبرماركت "التعاون" في بغداد.

إلا أن المحطة المالية الأكثر إثارة للجدل في مسيرته كانت ترأسه السابق لمجلس إدارة "مصرف الجنوب الإسلامي"، وهو أحد أكبر المصارف الخاصة في العراق برأس مال يبلغ 510 مليارات دينار عراقي.

في شباط (فبراير) 2024، أقدم البنك المركزي العراقي — بإيعاز ومتابعة من وفد رفيع من الخزانة الأمريكية زار بغداد — على منع مصرف الجنوب وسبعة مصارف أخرى من إجراء المعاملات بالدولار الأمريكي. جاء القرار للحد من عمليات تهريب العملة وغسيل الأموال وتتبع تدفقات مالية يُشتبه بذهابها لصالح كيانات في إيران أو جماعات مسلحة خاضعة للعقوبات.

وعلى الرغم من أن المصادر القانونية والتقارير التنظيمية أكدت خلو السجل الشخصي لعلي الزيدي من أي عقوبات أمريكية مباشرة باسمه، وأن حظر التعامل بالدولار كان إجراءً مؤسسياً ضد المصرف بسبب مخاطر ترتبط بملكيته ونشاطه، فإن ملف "مصرف الجنوب" ظل مدوناً في أدراج الرقابة المالية في واشنطن. وهكذا، أصبح الرجل الذي كُلّف بإدارة حكومة تعتمد موازنتها بنسبة تفوق 90% على الإيرادات النفطية المسعرة بالدولار، يحمل ملفاً مصرفياً خضع للتفتيش والرقابة الأمريكية المباشرة.

صدمة "صولة الفجر" وزيارة واشنطن

لم يكد الزيدي يتسلم مهامه رسمياً بعد نيل حكومته ثقة البرلمان في 14 أيار (مايو) 2026، حتى سعى إلى توجيه رسائل متداخلة لل الداخل والخارج.

في منتصف عام 2026، أطلقت الأجهزة الأمنية بتوجيه منه حملة خاطفة أُطلق عليها اسم "صولة الفجر". في ساعات الصباح الأولى، داهمت قوات خاصة مقار ومنازل مسؤولين ونواب حاليين وسابقين ودرجات خاصة. أسفرت العملية عن اعتقال 47 شخصاً وتجميد أصول وأموال سائلة تجاوزت قيمتها 250 مليون دولار أمريكي.

ظهر الزيدي في وسائل الإعلام الرسمية ليؤكد أن العملية تشكل أولى الخطوات التنفيذية لحكومته لملاحقة شبكات الفساد واسترداد المال العام. لكن مراقبين ومحللين سياسيين أشاروا إلى أن العديد من مذكرات القبض الصادرة جاءت متسقة مع قوائم ومطالبات سابقة أشرتها وزارة الخزانة الأمريكية ضد شخصيات وشركات متورطة في شبكات تهريب النفط والعملة. كانت "صولة الفجر" استعراضاً لفرض هيبة الدولة، وفي الوقت نفسه محاولة لتثبيت أوراق الامتثال أمام الرقيب الأمريكي.

وبعد أسابيع قليلة، وتحديداً في 14 تموز (يوليو) 2026، كان الزيدي يجلس في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبحضور المبعوث الأمريكي توم باراك. أمور كثيرة كانت مطروحة على الطاولة: ترتيبات الانسحاب العسكري، العقود الاستثمارية، والامتثال المصرفي. وأمام عدسات الصحافة، ابتسم ترامب وقال متوجهاً للإعلام: "نحن نحب العراق، وهذا الرجل سيمثل العراق خير تمثيل".

لكن الابتسامات الرئاسية لم تلغِ الواقع الحسابي الأعمق؛ فبعد أيام قليلة من الزيارة، وتحديداً في 22 تموز، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية توضيحاً رسمياً بيّنت فيه أن مسار إعادة ترخيص المصارف العراقية المحظورة من الدولار — ومن بينها مصرف الجنوب — يتطلب الالتزام ببرنامج إصلاحي وتدقيقي شامل سينفذه البنك المركزي العراقي، مؤكدة أن "هذه العملية ستستغرق سنوات وليس أشهراً".

حارس الخزينة على الحبل المشدود

يقف علي الزيدي اليوم في منتصف المسافة بين قرارين؛ قرار ألزم نفسه به حينما أدار صولة أمنية وقضائية لاسترجاع الأموال المسروقة من رجال متنفذين. وقرار جاء مع زيارته الى واشنطن جعله أمام معايير صارمة للتدقيق المالي والشفافية المصرفية وشروط الامتثال لحركة العملة الصعبة.

في مكتبه الحكومي ببغداد، يواصل التاجر الذي تحول إلى رئيس وزراء، إدارة الموازنة الاتحادية بلغة رجل الأعمال الذي يراقب حركة الصادر والوارد. لقد تغيرت أدوات الحكم في العراق؛ لم يعد السلطان يحكم بالخطاب العقائدي أو بالتاريخ النضالي، بل بات يدرك أن البقاء في السلطة يتطلب أولاً وأخيراً الحفاظ على التوازن الدقيق داخل دفتر الحسابات.

حبات الكهرب وأوراق القرارات

هناك، بجانب سجلات الموازنة الاتحادية المليئة ببيانات النفط والاعتمادات المصرفية المعقدة، تستريح السبحة الصفراء المصنوعة من حجر الكَهْرَب — ذاتها التي طوقتها يده اليسرى وهو يتسلم كتاب تكليفه.

لم تعد حبات الكَهْرَب تلك مجرد تفصيل بصري يُذكّر بروابط البيئة الجنوبية المحافظة التي ينتمي إليها التاجر الشاب؛ بل أضحت تشبه عدّاد الثواني المتواصل لمسيرة رجل يُطلب منه إدارة دولة بأكملها بلغة الاعتمادات المستندية، بينما يدرك أن أصل وجوده في السلطة جاء نتاج صفقة خاطفة لم تستغرق أكثر من خمس وعشرين دقيقة في ليلة نيسانية مشحونة.

يُقلّب الزيدي حبات السبحة ببطء في عتمة المكتب، وفي كل حركة، تتجلى المفارقة الهيكلية لبغداد اليوم.  رجل يجلس على الكرسي التنفيذي الأعلى دون أرث سياسي أو حزبي يتكئ عليه ويسانده، يسير على حبل مشدود بين شروط الرقابة المصرفية في واشنطن وتوازنات السلاح الإقليمي على الأرض.

وعندما ينظر إلى حبات الكَهْرَب وهي ترتاح فوق أوراق الموازنة الاتحادية، يظل السؤال المعلق داخل القصر الرئاسي: هل جاء علي الزيدي ليدشن عصر التكنوقراطيا المالية وإزاحة الطبقة السياسية القديمة، أم أنه ليس سوى "أمين صندوق" مؤقت، وُضع ليدير الحسابات حتى إشعار آخر، وسيرحل فور اكتمال الصفقة؟

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.