يا مليشيات العراق، تستطيعون امتلاك السلاح، وتستطيعون امتلاك النفوذ، وتستطيعون الدخول إلى البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة، وتستطيعون أن تصنعوا التحالفات وأن تغيروا الخطابات، وأن تستخدموا كل ما تملكونه من قوة سياسية وإعلامية لتعيدوا كتابة الرواية كما تريدون، لكنكم لن تستطيعوا امتلاك شيء واحد هو الحقيقة؛ لأن الحقيقة لا تخضع للبندقية، ولا تدخل في صفقة سياسية، ولا تموت بتقادم السنوات. ولهذا فإن تشرين التي حاولتم إسكاتها بالرصاص ثم حاولتم تشويهها بالكلمات، ما زالت واقفة في ذاكرة العراق أقوى من كل ما امتلكتموه من سلاح ونفوذ؛ لأنها لم تكن حزبًا حتى تحاصروه، ولم تكن طائفة حتى تعزلوها، ولم تكن قومية حتى تشطروها، ولم تكن مشروعًا أجنبيًا حتى تتهموها بالخيانة، بل كانت شعبًا عراقيًا خرج بصورة عفوية إلى الشوارع، وقال للمرة الأولى منذ سنوات طويلة: إن العراق ليس ملكًا للأحزاب ولا للفصائل ولا للزعامات، وإن المواطن ليس تابعًا لأحد، وإن الدولة يجب أن تكون دولة الجميع لا دولة من يمتلك القوة خارج مؤسساتها.
تشرين كانت عراقية فقط، وهذه هي حقيقتها التي أخافت منظومة المحاصصة أكثر من أي شيء آخر؛ لأنها كسرت القاعدة التي قامت عليها السياسة بعد عام 2003، وجمعت العراقيين تحت اسم واحد هو العراق. فلم يسأل المتظاهر في الساحة أخاه عن مذهبه قبل أن يقاسمه الخيمة، ولم يسأله عن قوميته قبل أن يحميه من القمع، ولم يسأله عن حزبه قبل أن يحمل معه صورة الشهيد. ولهذا لم تكن تشرين حربًا على طائفة، ولا حربًا على دين، ولا حربًا على قومية، بل كانت انتفاضة المواطن على منظومة سياسية قسمت المجتمع ثم قدمت نفسها بوصفها حاميًا له من الانقسام. وكانت المرجعية الدينية العليا في النجف قد أكدت حق المواطنين في الاحتجاج السلمي والمطالبة بالإصلاح وحذرت من الاعتداء عليهم، وهو ما أسقط منذ البداية محاولة تقديم تشرين باعتبارها تمردًا على الدين أو المجتمع أو الدولة.
لكن حين عجزت السلطة عن مواجهة المطالب بالحجة، ظهرت رواية "الطرف الثالث"، وأصبح العراقي يسمع الاسم نفسه كلما سقط شهيد، وكلما أصيب متظاهر، وكلما اختفى ناشط: "طرف ثالث"، وكأن شبحًا مجهولًا كان يمتلك السلاح والقدرة على التحرك والقتل والاختطاف ثم يختفي كل مرة قبل أن يصل إليه القضاء! ولم تقل الحكومة للعراقيين من هو هذا الطرف، ولم تقدم ملفًا قضائيًا مقنعًا يكشف قياداته وأفراده، ولم تجب عن السؤال البسيط الذي كان ينبغي أن يكون أول أسئلة الدولة: من الذي يقتل مواطنينا؟ وإذا كانت الدولة لا تعرف فمن الذي كان يحكم الأمن؟ وإذا كانت تعرف فلماذا لم تكشف الحقيقة؟ ولهذا فإن عبارة "الطرف الثالث" تحولت مع مرور الزمن من تفسير للجريمة إلى سؤال عن الجهة التي أرادت إخفاء الجريمة.
واليوم يأتي الزمن بما لم تستطع البيانات الرسمية أن تقوله؛ فتصريحات قادة الفصائل أنفسهم تعيد فتح الملف وتمنح العراقيين والرأي العام الدولي سببًا جديدًا للمطالبة بالتحقيق. فحين يتحدث هادي العامري عن مواجهة تشرين ودور المقاومة في حماية الدولة والنظام السياسي، فإنه يضع نفسه ومنظومته السياسية أمام سؤال تاريخي لا يمكن دفنه بالكلمات: ماذا كانت طبيعة تلك المواجهة؟ ومن شارك فيها؟ وتحت أي سلطة وبأي سلاح؟ ومن أصدر الأوامر؟ وماذا حدث للمتظاهرين الذين كانوا في الطرف الآخر من تلك المواجهة؟ وحين نقرأ مواقف قيس الخزعلي وخطابه خلال مرحلة الاحتجاجات، وحين نستعيد موقع مهدي المهندس القيادي في منظومة الحشد والفصائل المسلحة في تلك المرحلة، فإن القضية لا تعود مجرد اختلاف في الروايات السياسية، وإنما تصبح ملفًا يستحق أن يُفتح من جديد على أساس الوثائق والشهادات والأدلة وسلسلة القيادة والمسؤولية. نحن لا نصدر أحكامًا قضائية من خلال مقال، ولا نضع أحدًا في قفص الاتهام قبل التحقيق، ولكننا نقول إن من تحدث عن مواجهة تشرين عليه أن يشرح للعراقيين والعالم ماذا كانت تعني تلك المواجهة، ومن كان طرفها الآخر، وكيف انتهت إلى مئات القتلى وآلاف الجرحى وحالات الاختطاف والاختفاء والاستهداف التي وثقتها جهات دولية.
وهنا يصبح تحدي الحقيقة أكبر من تحدي السلاح؛ لأن السلاح يستطيع أن يمنع التظاهر لكنه لا يستطيع أن يمنع شهادة أم فقدت ابنها، والسلاح يستطيع أن يغلق ساحة لكنه لا يستطيع أن يغلق ذاكرة وطن، والسلاح يستطيع أن يخيف الناشط لكنه لا يستطيع أن يمحو صورة الشهيد من التاريخ. لقد حاولتم أن تجعلوا من تشرين جريمة، وأن تجعلوا من الشاب الذي خرج يطالب بوطن متهمًا، وأن تجعلوا من الضحية طرفًا في مؤامرة، وأن تجعلوا من القاتل شبحًا مجهولًا، ثم طلبتم من العراق أن ينسى، ولكن العراق لم ينسَ، ولم تستطع السنوات أن تمحو تشرين من الذاكرة، بل حدث العكس تمامًا؛ فقد خرجت تشرين من الساحة لتدخل الوعي الشعبي، وأصبح العراقيون يتذكرونها باعتبارها واحدة من أنقى اللحظات الوطنية التي كسرت فيها الجماهير الحواجز الطائفية والحزبية، ورفعت اسم العراق فوق كل الأسماء.
إن التقارير الدولية لم تتحدث عن خيال سياسي، بل وثقت قتلًا وإصابات واختطافًا واختفاءً وانتهاكات جسيمة خلال الاحتجاجات، وأشارت إلى مسؤولية قوات أمنية وعناصر مسلحة مختلفة، وإلى استمرار الإفلات من العقاب، ولذلك فإن محاولة اختزال القضية بعبارة "الطرف الثالث" لم تعد كافية أمام العالم. إن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لا تستطيع أن تستبدل التحقيقات القضائية العراقية، لكنها تستطيع أن تقول إن هناك انتهاكات وقعت، وإن هناك ضحايا، وإن هناك حاجة إلى المحاسبة، وإن هذا وحده يجعل مسؤولية الدولة مضاعفة؛ لأن الدولة التي تحترم نفسها لا تطلب من عائلة الشهيد أن تكتفي برواية مجهولة المصدر، وإنما تقدم لها الحقيقة بالدليل والقانون.
يا من امتلكتم السلاح لا تخافوا من الحقيقة إن كنتم أبرياء، ويا من تقولون إنكم واجهتم تشرين لا تخافوا من التحقيق إن كانت المواجهة التي تتحدثون عنها قانونية؛ فطالبوا بكشف كل شيء، طالبوا بنشر الوثائق، طالبوا بكشف الأوامر، طالبوا بتحديد الجهات التي كانت موجودة في الساحات، طالبوا بكشف هوية المسلحين الذين واجهوا المتظاهرين، وطالبوا بأن يمثل كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء؛ لأن البراءة لا تحتاج إلى شبح اسمه "الطرف الثالث"، والحق لا يحتاج إلى حماية المليشيا، والحقيقة لا تحتاج إلى بندقية.
أما أن تقولوا إنكم كنتم تحمون الدولة من تشرين، فالسؤال الذي سيبقى في التاريخ هو: أي دولة كانت تحتاج إلى السلاح كي تواجه أبناءها؟ وهل حماية الدولة تعني حماية النظام السياسي من المواطنين أم حماية المواطنين من النظام السياسي؟ وهل يصبح المواطن الذي يطالب بالإصلاح خطرًا على الدولة بينما يصبح السلاح الخارج عن القرار الوطني جزءًا من حمايتها؟ إن هذه المعادلة هي التي يجب أن يفهمها العالم؛ لأنها ليست مشكلة عراقية عابرة، وإنما واحدة من أخطر أزمات الدولة الحديثة حين يصبح السلاح لاعبًا سياسيًا، وحين يصبح الفصيل قادرًا على التأثير في الدولة ثم يطلب من الدولة أن تثق به في الوقت نفسه.
تشرين لم تكن ضد العراق حتى تحتاجوا إلى إنقاذه منها، كانت تشرين محاولة من العراق لإنقاذ نفسه من الفساد والمحاصصة والسلاح المنفلت والفساد السياسي وانهيار الثقة بين المواطن والدولة. ولهذا فإن قتل تشرين لم يكن دفاعًا عن الدولة كما يحاول البعض أن يصوره، وإنما كان في جوهره صراعًا على معنى الدولة نفسها: هل تكون الدولة مؤسسة فوق الجميع أم تصبح مجموعة قوى سياسية ومسلحة تتقاسم النفوذ ثم تتحدث باسم الدولة عندما يناسبها ذلك؟
ولهذا فإن رسالتنا إلى الرأي العام الدولي واضحٌة: لا تنظروا إلى تشرين بوصفها صفحة عراقية قديمة طُويت؛ لأن الملف لم يُغلق بعد، ولا تنظروا إلى الضحايا بوصفهم أرقامًا في تقارير حقوق الإنسان؛ لأن وراء كل رقم عائلة كاملة تعيش مع سؤال لا يموت، ولا تقبلوا أن يكون "الطرف الثالث" نهاية التحقيق بل اجعلوه بداية التحقيق، واسألوا الحكومة العراقية من هو هذا الطرف، واسألوا الأجهزة الأمنية أين نتائج التحقيقات، واسألوا القضاء أين ملفات القتلة، واسألوا قادة الفصائل عن تصريحاتهم وأدوارهم ومواقفهم، واسألوا الدولة لماذا بقيت الحقيقة معلقة كل هذه السنوات.
نحن لا نريد محاكمات إعلامية، ولا نريد انتقامًا، ولا نريد حربًا جديدة، نحن نريد دولة تستطيع أن تقول لشعبها من قتل أبناءكم، ونريد قضاءً يستطيع أن يحاكم القاتل مهما كان اسمه، ونريد قانونًا لا يخضع لسلطة الحزب أو الفصيل، ونريد عراقًا لا يحتاج فيه المواطن إلى حماية السلاح كي يحصل على حقه في الحياة. هذه ليست مطالب تشرين وحدها، وإنما شروط الدولة الطبيعية، ولذلك فإن من يريد إغلاق ملف تشرين عليه ألا يطلب من العراقيين النسيان، بل عليه أن يفتح أبواب الحقيقة كاملة؛ لأن المصالحة بلا عدالة ليست مصالحة، والسكوت عن الجريمة ليس استقرارًا، وتأجيل الحقيقة ليس وطنية.
يا مليشيات العراق، إن كان لديكم ما تقولونه فقولوه أمام التحقيق، وإن كنتم أبرياء فكونوا أول من يطالب بكشف الحقيقة، وإن كنتم تقولون إنكم واجهتم تشرين فاشرحوا للشعب والعالم حدود تلك المواجهة، ومن أصدر أوامرها، ومن نفذها، وما علاقة السلاح الذي كان في الشوارع بالدم الذي سال فيها. أما أن يبقى الحديث عن المواجهة بينما يبقى القاتل مجهولًا فذلك لن يقنع أحدًا؛ لأن السؤال أصبح أكبر من قدرة الخطاب السياسي على احتوائه.
لقد قتلتم أجسادًا يمكن دفنها لكنكم لم تستطيعوا دفن الذاكرة، وقتلتم شبابًا يمكن أن تُغلق ملفاتهم في الأدراج لكنكم لم تستطيعوا إغلاق السؤال الذي تركوه خلفهم، وحاولتم أن تجعلوا من تشرين طرفًا ثالثًا لكن تشرين لم تكن طرفًا ثالثًا، كانت الشعب نفسه ولهذا بقيت وبقي العراق يتذكرها.
لقد مضت السنوات وتغيرت الحكومات وتبدلت التحالفات وتغيرت المواقع، لكن سؤال تشرين لم يتغير: من قتل أبناء تشرين؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن حمل السلاح؟ ومن حمى القاتل؟ ومن منع الحقيقة من الوصول إلى القضاء؟ وهذا السؤال ليس تهديدًا للمليشيات بقدر ما هو امتحان لها؛ فإذا كانت تؤمن بأنها حمت العراق فلتواجه الحقيقة أمام القضاء، وإذا كانت تؤمن بأن تاريخها ناصع فلتفتح سجلاتها للتحقيق، وإذا كانت تريد أن تكون جزءًا من الدولة فعليها أن تقبل بأن القانون أعلى من السلاح.
أما تشرين فلن تحتاج إلى سلاح كي تنتصر؛ لأن قضيتها أصبحت في الذاكرة الوطنية العراقية، ولأن الثورة التي خرجت عفوية من الشارع وأعادت للعراقيين معنى الوطن لا يمكن قتلها برصاصة، ولا تشويهها ببيان، ولا دفنها خلف عبارة "الطرف الثالث".
تشرين لم تقتلها البنادق؛ لأنها لم تكن جسدًا واحدًا بل كانت فكرة وطن، والفكرة التي تولد من وجع شعب لا تموت عندما يسقط أصحابها، بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد سقوطهم.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمامكم ليس أن تواجهوا تشرين من جديد، بل أن تواجهوا الحقيقة. فالسلاح يستطيع أن يؤجل الحقيقة، لكنه لا يستطيع أن يهزمها.
((المقالات المنشورة تعبر عن آراء كتابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر المؤسسة الإعلامية))
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن