نحن شعبٌ طال صبره، وعاش عقودًا طويلة في ظروف سياسية صعبة، من حقبة دكتاتورية بائسة إلى تجربة ديمقراطية جديدة ما زالت في طور البناء والتطور.
لقد أتاحت المرحلة الجديدة مساحة أوسع للتعبير والمشاركة السياسية، إلا أن التجربة الديمقراطية ما زالت بحاجة إلى المزيد من التطوير، وترسيخ المؤسسات، وتعزيز دولة القانون، واحترام الحريات العامة، بما ينسجم مع طموحات العراقيين وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل.
فالديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات وصناديق الاقتراع، وإنما هي ثقافة وممارسة تقوم على احترام الرأي الآخر، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وضمان حقوق المواطنين وحرياتهم.
ونحن مع النقد الهادف والموضوعي الذي يسهم في تشخيص مواطن الخلل وتصحيح المسار، ولسنا مع التسقيط أو التجريح أو الخلافات الشخصية. فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، ويمكن أن يكون مصدرًا للإصلاح عندما يُدار بروح وطنية ومسؤولة.
كما نؤكد أهمية الدور الذي يؤديه الكتّاب والإعلاميون والمهتمون بالشأن العام في طرح القضايا التي تهم المواطن، مع ضرورة الالتزام بالدقة والموضوعية واحترام القانون. وفي المقابل، ينبغي أن تبقى مساحة النقد والحوار متاحة، لأن الإعلام الحر والكلمة المسؤولة يمكن أن يساهما في تعزيز أداء مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، نثمّن الجهود التي تبذلها الحكومة العراقية والقضاء العراقي في مكافحة الفساد وملاحقة من تثبت إدانته وفق القانون، فحماية المال العام مسؤولية وطنية، والقاعدة القانونية عامة ومجردة، وينبغي أن تطبق على الجميع بعدالة وإنصاف، بعيدًا عن الانتقائية أو المحاباة.
كما أن من واجبنا احترام القضاء ودوره في إحقاق الحق، مع التأكيد على أهمية ضمان الإجراءات القانونية وحقوق المتهمين وقرينة البراءة، وأن تكون العدالة هي الفيصل في جميع القضايا.
ومن جهة أخرى، فإن ما يتعرض له بعض خريجي المجموعات الطبية أثناء احتجاجاتهم السلمية يبعث على القلق، ولا سيما أن الدستور العراقي كفل في المادة (38) حرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وفق ما ينظمه القانون.
ومن هنا، فإن معالجة مطالب الخريجين بالحوار والتفاهم والاستماع إلى وجهات نظرهم تبقى الطريق الأفضل لمعالجة الإشكالات، بما يحفظ هيبة الدولة وكرامة المواطن في آن واحد.
كما نأمل من قضائنا العادل أن ينظر بعين الإنصاف إلى قضايا جميع من تتم محاسبتهم على خلفية آرائهم أو تصريحاتهم، وأن تُتخذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مخالفته للقانون، مع مراعاة حقوق الجميع وضمان المحاكمة العادلة.
فالكاتب والإعلامي والمهتم بالشأن العام يحملون الكلمة والقلم، وليس السلاح، والكلمة يمكن أن تكون أداة للإصلاح والتوعية، حتى عندما تكون ناقدة أو مختلفة.
إن العراقيين يتطلعون إلى دولة مدنية حديثة يسودها الأمن والقانون، وتحترم فيها كرامة الإنسان، وتصان فيها الحريات، وتتكافأ فيها الفرص، ويكون القانون فيها فوق الجميع.
لقد تحمل العراقيون الكثير، وما زال لديهم الأمل في أن تتحول التجربة الديمقراطية من مرحلة البناء إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا، وأن تصبح المؤسسات أقوى، والحوار أوسع، والقانون أكثر حضورًا في حياة المواطن.
الديمقراطية الحقيقية لا تعني غياب الاختلاف، بل تعني إدارة الاختلاف بالحوار والقانون، واحترام الرأي الآخر، والعمل المشترك من أجل عراق آمن ومستقر ومزدهر.
نختلف في الرأي، لكن يجمعنا الوطن، والنقد المسؤول وسيلة للإصلاح، لا للخلاف الشخصي أو التسقيط
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن