ليست المأساة أن تكون الراقصة راقصة، ولا أن يكون رجل الدين رجل دين، فالمأساة الحقيقية تبدأ حين تنقلب الأسماء على معانيها، وحين يصبح من يُفترض أن يكون أقرب إلى الإنسان أبعد عنه، ويصبح من وضعه المجتمع في هامش الفضيلة أقدر على ممارسة فضيلة لم يعد أهلها يعرفونها. عندها لا يعود السؤال: من يملك المال؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: ماذا يفعل الإنسان بالمال حين يصبح المال امتحانًا لإنسانيته؟
ثمة مال يخرج من اليد فيبني مدرسة، ومال يدخل إليها فيبني قصرًا لصاحبه. ثمة مال يشتري سريرًا لطفل مريض، ومال يشتري به صاحبه المزيد من الهيبة والقداسة. ثمة مال يتحول إلى كتاب وطعام ودواء وفرصة، ومال يتحول إلى سلطة وخوف وتبعية. ولذلك فليست قيمة المال في مصدره وحده، بل في المصير الذي يختاره له صاحبه؛ لأن المال حين يدخل يد الإنسان لا يبقى مالًا فقط، بل يتحول إلى مرآة تكشف ما في تلك اليد من رحمة أو جشع، من إنسانية أو عبودية.
وهنا تبدأ المفارقة التي تفضحنا أكثر مما تفضح الآخرين.
قد تقف امرأة على خشبة المسرح فينظر إليها المجتمع بعين الاحتقار، لأنها باعت شيئًا من جسدها أو موهبتها أو صورتها كي تعيش. ثم يأتي يوم فتأخذ من مالها لتبني مدرسة للأطفال، أو تفتح بابًا للفقراء، أو تمنح إنسانًا فرصة للحياة. في تلك اللحظة تصبح المفارقة جارحة: امرأة يصفق لها المجتمع باعتبارها ساقطة، استطاعت أن تفعل شيئًا عجز عنه بعض الذين يتحدثون باسم السماء.
ليست المسألة دفاعًا عن الرقص، ولا تبريرًا لمهنة، ولا منحًا لأحد شهادة أخلاقية مجانية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها محاكمة لمفهومنا عن الأخلاق نفسها. لأن الأخلاق التي تكتفي بالنظر إلى مظهر الإنسان وتغض الطرف عن أثره في الآخرين ليست أخلاقًا كاملة، بل قد تكون أحيانًا مجرد نظام اجتماعي لتوزيع الاحتقار.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يقول عن نفسه، وإنما بما يتركه خلفه.
قد يرفع إنسان يده بالدعاء ثم يغلقها على المال. وقد يتحدث عن الزهد ثم يعيش على ولاء الفقراء وخوفهم. وقد يكثر الحديث عن الأمانة بينما تتحول الأمانة في يده إلى سلعة، ويصبح الدين جسرًا إلى الثروة، والقداسة غطاءً للامتلاك، والعمامة جدارًا يحجب الأسئلة.
وهنا تصبح القضية أخطر من رجل جشع؛ لأن الجشع حين يلبس ثوبًا عاديًا يفضح نفسه، أما حين يلبس ثوب القداسة فإنه يطلب من الناس أن يحترموا الجشع باعتباره فضيلة.
ذلك هو أخطر أنواع العبودية: أن يصبح المال سيدًا، ويصبح الدين خادمًا له.
فالمال ليس عيبًا، والفقر ليس فضيلة بذاته، والغنى ليس رذيلة بذاته. العيب أن يتحول المال من وسيلة إلى معبود، ومن نعمة إلى قيد، ومن أداة لبناء الحياة إلى وسيلة لبناء النفوذ. وحين يصبح رجل الدين عبدًا للمال فإنه لا يخسر ماله فقط، بل يخسر المعنى الذي جاء الناس إليه من أجله.
الناس لا يحتاجون إلى رجل دين يعلّمهم كيف يجمعون المال، فالأسواق مليئة بالمعلمين. ولا يحتاجون إلى من يشرح لهم كيف يصنعون النفوذ، فالسياسة أكثر خبرة في ذلك. إنهم يحتاجون إلى إنسان يستطيع أن يقول للمال: قف هنا، فثمة كرامة إنسان لا يجوز أن تُشترى.
وهنا يظهر الفرق بين المال الذي يصنع الحياة والمال الذي يصنع الفضيحة.
الأول يبني مدرسة، والثاني يبني سورًا حول صاحبه.
الأول يترك أثرًا في وجوه الأطفال، والثاني يترك أثرًا في جيوب الناس.
الأول يتحول إلى معرفة، والثاني يتحول إلى تبعية.
الأول يجعل الإنسان أكثر حرية، والثاني يجعل الآخرين أكثر خوفًا.
ولهذا فإن السؤال الأخلاقي ليس: كم جمعت؟ بل: كم إنسانًا بقي حيًا بسبب ما جمعت؟
كم طفلًا تعلم؟
كم فقيرًا أطعمت؟
كم مريضًا ساعدت؟
كم إنسانًا استعاد كرامته لأنك كنت قادرًا على أن تمنحه شيئًا دون أن تستعبده؟
هناك من يعطي الفقير مالًا ثم يأخذ منه كرامته، وهناك من يعطيه فرصة ثم يترك له كرامته كاملة. الأول يمارس صدقة السلطة، والثاني يمارس إنسانية العطاء.
ولذلك فإن أخطر شيء في بعض رجال الدين ليس أنهم يحبون المال، فهذه غريزة بشرية، وإنما أن يطلبوا من الناس أن يسموا حبهم للمال ورعًا، وأن يسموا امتلاكهم أمانة، وأن يسموا نفوذهم خدمة، وأن يسموا صمت الناس أمامهم احترامًا.
حينها لا يعود الدين طريقًا لتحرير الإنسان من عبودية الأشياء، بل يتحول إلى آلة لإنتاج عبودية جديدة.
وما أقسى أن يتحدث رجل عن تحرير الروح بينما هو نفسه لا يستطيع تحرير يده من المال.
إن الإنسان قد يسقط أخلاقيًا في لحظة ضعف، لكن الكارثة حين يبني مؤسسة كاملة لتبرير سقوطه. فالخطيئة الفردية تبقى خطيئة، أما حين تجد الخطيئة خطابًا دينيًا يحرسها، ومريدين يدافعون عنها، وأموالًا تمولها، فإنها تتحول من انحراف فردي إلى نظام أخلاقي مقلوب.
وهنا نفهم معنى المفارقة: ليست الراقصة هي القضية، وليست مهنة الرقص هي القضية، كما أن رجل الدين ليس متهمًا لمجرد أنه رجل دين. القضية هي الإنسان حين تسقط عنه الأقنعة.
قد تكون امرأة أخطأت في حياتها لكنها ما زالت تمتلك قلبًا يتألم لطفل فقير.
وقد يكون رجل يتحدث باسم الفضيلة لكنه فقد القدرة على الشعور بآلام الذين يعيشون تحت سلطته.
فأيّهما بقي فيه شيء من الإنسان؟
إنها ليست دعوة إلى تقديس الراقصة، ولا إلى شيطنة رجل الدين. إنها دعوة إلى إعادة الإنسان إلى مركز الأخلاق. فالدين الذي لا يحمي الإنسان من الجوع والذل والاستغلال يتحول إلى خطاب بلا روح، والمال الذي لا يتحول إلى حياة يصبح مجرد رقم يضاعف وحشة صاحبه.
ولعل أكثر ما يفضح الإنسان ليس فقره، بل الشيء الذي يفعله حين يصبح غنيًا.
الفقر قد يجبر إنسانًا على أن يبيع شيئًا من حياته، لكن الغنى يكشف له كم بقي من ضميره. ولذلك ربما كانت بعض الأيدي التي أخذت المال من طرق لا نحبها أرحم من أيدٍ أخذته باسم الفضيلة ثم أغلقتها على أصحابها.
إن المال الذي يبني مدرسة لا يسأل الطفل عن ماضي المرأة التي دفعته.
والدواء الذي يصل إلى مريض لا يسأل عن لباس من اشتراه.
والخبز الذي يصل إلى جائع لا يسأل عن المهنة التي كسب بها صاحبه ثمنه.
الحياة أكثر رحمة من أحكامنا الاجتماعية.
وهذا ما يجعل المفارقة مؤلمة: قد تعطيك امرأة يصفها المجتمع بأنها بلا شرف درسًا في الشرف، وقد يعطيك رجل يصفق له الناس بوصفه رجل دين درسًا في سقوط القداسة حين تستسلم للمال.
ليس الشرف في اللقب،
وليس العار في المهنة وحدها،
وليست القداسة في الثوب،
ولا الإنسانية في الخطاب.
كل ذلك قشور إذا لم يتحول إلى فعل.
الإنسانية فعل،
والأمانة فعل،
والدين حين يفقد فعله يصبح مجرد صوت،
والمال حين يفقد غايته يصبح صنمًا.
ولذلك ربما آن لنا أن نتوقف عن سؤال الناس: من أنت؟ وأن نسأل سؤالًا أشد قسوة: ماذا صنعت بما مُنحت؟
فقد يمنح الله إنسانًا مالًا فيبني به حياة، ويمنح آخر علمًا فيهدم به عقولًا، ويمنح ثالثًا دينًا فيستخدمه لإخضاع الناس، ويمنح رابعًا شهرة فيحولها إلى رحمة.
وفي النهاية لا يبقى من الإنسان اسمه، ولا لقبه، ولا ثوبه، ولا المنبر الذي وقف عليه، ولا المال الذي جمعه.
يبقى فقط الأثر.
وهنا تسقط الأقنعة كلها؛ لأن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن الله، بل بما يفعله بالإنسان.
وربما كانت المفارقة الأكثر مرارة أن نكتشف يومًا أن امرأة ظنناها بعيدة عن الفضيلة استطاعت أن تمنح طفلًا مدرسة، بينما رجلًا ظنناه قريبًا من السماء استطاع أن يحوّل الدين إلى خزينة، والفتوى إلى نفوذ، والقداسة إلى سلعة.
عندها لا تكون الفضيحة في الراقصة، الفضيحة في المال حين يأكل الضمير.
ولا تكون القسوة في امرأة أخطأت، القسوة في رجل امتلك خطاب الرحمة وفقد الرحمة.
وحين تصبح الراقصة أرحم من رجل الدين، فالمشكلة لم تعد في الراقصة... المشكلة أن رجل الدين لم يعد يعرف لماذا صار رجل دين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن