Erbil 28°C الأحد 16 آب 22:43

علي الزيدي... هل يعيد العراق إلى صدارته وموقعه وتاريخه بخارطة الشرق الأوسط؟

العراق اليوم أمام سؤال أكبر من اسم رئيس الوزراء، وأكبر من حكومة عابرة: هل آن الأوان لكي يستعيد هذا البلد دولته وقراره وثروته ومكانته، أم سيبقى أسير شبكة المصالح التي نهبت مقدراته، وأبقت شعبه يدفع ثمن صراعات السياسيين والفاسدين وأصحاب النفوذ؟

من هنا تأتي أهمية تجربة علي الزيدي؛ فالرجل لم يبدأ من الملفات السهلة، بل اقترب من أكثر الملفات حساسية وخطورة: الفساد، والسلاح، والقرار السياسي، والاقتصاد، والعلاقة مع الخارج. وهذه الملفات تحديدًا هي التي جعلت الدولة العراقية، طوال سنوات، عاجزة عن التحول إلى دولة طبيعية تمتلك قرارها، وتفرض قانونها، وتحمي ثرواتها.

يقدّم الزيدي نفسه رجل اقتصاد ورجل دولة، وهذه ليست صفة تُمنح بالتصريحات، وإنما تُثبتها النتائج. وإذا كان جادًا في مشروعه، فإن عليه أن يعرف أن العراق لا يحتاج إلى رئيس وزراء جديد يُضاف إلى قائمة رؤساء الحكومات، بل يحتاج إلى رجل يفتح المعركة الحقيقية مع منظومة عطلت الدولة، وأكلت مواردها، وحولت السياسة إلى سوق للمصالح.

لقد ملّ العراقيون من سياسي يتحدث عن مكافحة الفساد ثم يترك كبار الفاسدين يتنقلون بين المناصب، وملّوا من مسؤول يرفع شعار القانون ثم يسمح للحزب أو الجماعة أو النفوذ بأن يكون أقوى من الدولة، وملّوا من طبقة سياسية تتحدث عن السيادة بينما القرار العراقي يُستباح من الداخل والخارج.

إذا كان الزيدي يريد أن يدخل التاريخ، فعليه أن يبدأ من قاعدة بسيطة: لا أحد فوق القانون.

لا حزب فوق القانون، ولا فصيل فوق القانون، ولا سياسي فوق القانون، ولا رجل أعمال فوق القانون، ولا مسؤول سابق أو حالي فوق القانون. ومن سرق المال العام يجب أن يُحاسب مهما كان اسمه، ومهما كانت طائفته، ومهما كان الحزب الذي يقف خلفه.

العراق لا يحتاج إلى مكافحة فساد انتقائية تُستخدم ضد خصم وتُغض الطرف عن صديق؛ فهذه ليست مكافحة فساد، بل تصفية حسابات. أما مكافحة الفساد الحقيقية فهي أن يصل القانون إلى الجميع، وأن تصبح سرقة المال العام جريمة بحق العراق لا وسيلة للصعود السياسي.

وهنا تبدأ المعركة التي يخشاها الفاسدون أكثر من أي شيء آخر: أن تصبح الدولة أقوى من شبكاتهم.

أما ملف السلاح فهو الوجه الآخر للأزمة. لا يمكن أن تكون هناك دولة حقيقية بجيش رسمي ومؤسسات أمنية رسمية، وفي الوقت نفسه توجد قوى مسلحة تمتلك قرارها وقدرتها على فرض إرادتها. السلاح يجب أن يكون للدولة، وهذه ليست قضية طائفية، ولا قضية موجهة ضد مكون معين، إنها قاعدة بناء الدولة الحديثة.

ومن يريد أن يكون شريكًا في العراق فعليه أن يقبل بهذه القاعدة؛ فمن يريد العمل السياسي فليعمل من خلال السياسة، ومن يريد الدفاع عن العراق فليكن دفاعه من خلال مؤسسات الدولة. أما أن تكون هناك دولة داخل الدولة، فهذا يعني أن العراق لم يكتمل بعد كدولة.

والأخطر أن البعض سيحاول تحويل هذه المعركة إلى صراع مذهبي. وهنا يجب أن يكون الزيدي أكثر ذكاءً من خصومه، عليه ألا يسمح لأحد بأن يقول إن حصر السلاح استهداف لمكون أو طائفة. القانون يجب أن يكون واحدًا على الجميع، والسلاح خارج إطار الدولة مرفوض أيًا كان صاحبه.

أما التدخلات الخارجية، فالعراق ليس مضطرًا إلى اختيار وصاية بدلاً من وصاية أخرى. العراق يستطيع أن يكون صديقًا لإيران، وصديقًا للولايات المتحدة، وشريكًا لتركيا، وتكون علاقته جيدة مع السعودية والخليج والعالم كله، لكنه يجب ألا يكون تابعًا لأحد. السيادة ليست عداءً لإيران، كما أنها ليست تبعية لأمريكا؛ السيادة تعني أن يكون القرار العراقي صادرًا من بغداد لمصلحة العراقيين.

وهنا ستكون إحدى أصعب معارك الزيدي؛ فالعراق الذي يمتلك قرارًا مستقلًا يزعج كل من اعتاد استخدامه ساحة نفوذ، والعراق الذي يفتح أبوابه أمام الشركات العالمية على أساس المصالح العراقية يزعج من عاش سنوات على العقود الوهمية والصفقات المشبوهة والعمولات.

ولهذا فإن المعركة الاقتصادية قد تكون أخطر من المعركة السياسية.

العراق ليس فقيرًا؛ العراق بلد يمتلك ثروة نفطية وغازية هائلة، وأراضي زراعية، وموقعًا استراتيجيًا، وثروة بشرية، وعقولاً علمية، وكفاءات هندسية وطبية واقتصادية. لكن العراق أُدير في كثير من الأحيان بعقلية توزيع الغنائم بدلاً من عقلية بناء الدولة.

كيف يُعقل أن يمتلك العراق النفط ويعاني من أزمة الكهرباء؟ كيف يمتلك الغاز ويستورد الغاز؟ كيف يمتلك الأراضي الزراعية ويستورد الغذاء؟ كيف يمتلك آلاف المهندسين والخبرات ويستورد كل شيء؟ وكيف تتحول دولة تمتلك كل هذه الموارد إلى اقتصاد يعتمد على الوظيفة الحكومية؟

هذه ليست مشكلة موارد، هذه مشكلة إدارة وفساد ومصالح.

ولهذا يجب أن يكون مشروع الزيدي الاقتصادي واضحًا: النفط يجب ألا يكون مجرد راتب للعراق، بل رأس مال له. يجب أن يتحول جزء من عائدات النفط إلى صناعة حقيقية، وإلى بنية تحتية، وإلى مصانع، وطاقة، وزراعة، وتكنولوجيا، وتعليم، وإلى اقتصاد ينتج بدلاً من أن يستهلك.

العراق بحاجة إلى إعادة تشغيل مصانعه، ولكن ليس بالطريقة القديمة؛ نحتاج إلى مصانع تنافسية حديثة تنتج الدواء والغذاء ومواد البناء والمعدات الكهربائية والمنتجات البتروكيميائية والسلع الصناعية. نحتاج إلى شراكات مع شركات عالمية حقيقية تنقل التكنولوجيا وتدرب العراقيين وتبني خطوط الإنتاج، لا شركات تأتي بعقد وتخرج بمليارات العراق.

وهنا يجب أن يكون الزيدي شديد الحذر: الشركات العالمية مرحب بها، لكن ليس على حساب العراق. العقود يجب أن تكون شفافة، والأسعار معلنة، والمشاريع قابلة للتدقيق، والإنجاز مرتبطًا بجدول زمني واضح، ومن يفشل يتحمل المسؤولية.

فالعراقي لا يريد أن يسمع عن عشرات الاتفاقيات إذا بقيت الكهرباء تنقطع، والماء غير صالح للشرب، والغاز لا يصل إلى البيوت، والمصانع مغلقة، والشباب يبحثون عن فرصة عمل. المواطن يريد أن يرى الدولة في حياته اليومية: يريد كهرباء مستقرة، وماءً نظيفًا، وغازًا منزليًا، ومستشفيات محترمة، وطرقًا جيدة، ومصانع تعمل، ومدارس تليق بأبنائه، وفرصة عمل تقوم على الكفاءة لا على بطاقة الحزب. وهنا فقط سيحكم العراقيون على الزيدي.

أما مشروع العراق الواحد، فهو أعظم من أي مشروع اقتصادي أو سياسي. العراق لا يحتاج إلى إلغاء المذاهب والقوميات والهويات؛ فالعراقي حر في مذهبه وقوميته وهويته، لكن الدولة يجب ألا تكون رهينة لأي منها. الشيعي عراقي، والسني عراقي، والكوردي عراقي، والتركماني عراقي، والمسيحي عراقي، والإيزيدي عراقي، وكلهم يجب أن يكونوا متساوين أمام القانون. المشكلة ليست في التنوع، المشكلة في تحويل التنوع إلى حصص وغنائم ومناصب.

المشكلة عندما يصبح المنصب حقًا للطائفة بدلاً من أن يكون مسؤولية أمام الشعب، والمشكلة عندما يصبح الوزير ممثلاً لحزبه قبل أن يكون خادمًا للدولة، والمشكلة عندما يصبح المال العام ملكًا لشبكة سياسية بدلاً من أن يكون ملكًا للشعب. إذا استطاع الزيدي أن يكسر هذه المعادلة، فسيكون قد بدأ فعلاً بناء عراق جديد.

لكن علينا ألا نكون ساذجين؛ فكل إصلاح حقيقي له أعداء. عندما تضرب الفساد، ستضرب من يعيش عليه. وعندما تمنع العقود الوهمية، ستغضب مافيات المقاولات. وعندما تعيد تشغيل المصانع، ستصطدم بشبكات الاستيراد. وعندما تفرض القانون، ستغضب من اعتاد أن يكون فوق القانون. وعندما تستعيد القرار العراقي، ستزعج من اعتاد أن يكون له نفوذ داخل العراق.

وهؤلاء لن يجلسوا مكتوفي الأيدي؛ قد يبدأون بالشائعات، ثم التخوين، ثم إثارة الطائفية، ثم افتعال الأزمات، ثم محاولة تصوير الإصلاح على أنه مؤامرة ضد مكون أو حزب أو جهة.

وهنا يجب أن يكون الزيدي أكثر صلابة: لا يرد على الفتنة بفتنة، ولا على الفساد بفساد، ولا على السلاح بسلاح خارج الدولة. يرد بالقانون، ويرد بالشفافية، ويرد بالإنجاز، ويرد بشيء واحد يخشاه الفاسدون أكثر من أي خطاب: أن يكتشف المواطن أن الدولة تستطيع أن تعمل من دونهم.

وهذه هي المعركة الحقيقية.

ليس المطلوب أن ينتصر علي الزيدي على خصومه السياسيين، المطلوب أن تنتصر الدولة على منظومة الفساد. وليس المطلوب أن يصبح الزيدي زعيمًا لا يُعارض، المطلوب أن يصبح العراق دولة لا يستطيع أحد ابتزازها. وليس المطلوب أن يموت الرجل من أجل العراق، حتى لو كان قد تحدث عن استعداده لدفع حياته ثمنًا لمشروعه؛ فالأبطال الحقيقيون ليسوا من يموتون في الحكم، بل من يبنون دولة تستمر بعد رحيلهم.

إذا كان الزيدي يريد أن يكون رجل دولة، فعليه أن يجعل المؤسسات أقوى منه، والقانون أقوى من حزبه، والجيش أقوى من الفصائل، والاقتصاد أقوى من شبكات الاستيراد، والمواطن أقوى من السياسي. عندها فقط يمكن أن نقول إن شيئًا تاريخيًا قد بدأ في العراق.

أما إذا تحولت المعركة إلى مجرد صراع بين الزيدي وخصومه، فسوف نخسر جميعًا.

العراق لا يحتاج إلى منقذ فردي، العراق يحتاج إلى مشروع دولة.

وقد تكون هذه هي الفرصة التي انتظرها العراقيون طويلاً: فرصة أن تتحول الدولة من غنيمة تتقاسمها القوى السياسية إلى بيت عراقي واحد، وأن يتحول النفط من مصدر للرواتب إلى محرك للتنمية، وأن يتحول السلاح من أداة نفوذ إلى قوة تحت إمرة الدولة، وأن يتحول الاقتصاد من سوق للاستيراد إلى اقتصاد إنتاج، وأن يتحول المواطن من رقم انتخابي إلى صاحب حق.

فهل يستطيع علي الزيدي أن يفعل ذلك؟ الجواب لن تكتبه الخطب، ولن تكتبه وسائل الإعلام، ولن تكتبه الأحزاب... سيكتبه العراق نفسه.

سيكتبه المواطن عندما يرى الكهرباء مستقرة، وسيكتبه عندما يشرب ماءً نظيفًا، وسيكتبه عندما يرى مصنعًا عراقيًا يعود للعمل، وسيكتبه عندما يرى الفاسد الكبير خلف القضبان كما يُحاسب الموظف الصغير، وسيكتبه عندما يشعر أن صوته وكرامته وحقوقه لا تحتاج إلى واسطة ولا حزب ولا سلاح، وسيكتبه عندما يعرف أن القرار الذي يصدر من بغداد لا يحتاج إلى إذن من عاصمة أخرى.

عندها فقط سيكون علي الزيدي قد نجح في أصعب مهمة يمكن أن يتولاها سياسي عراقي: أن يعيد للعراقيين دولتهم.

أما الفاسدون ومن اعتادوا المتاجرة بالطائفية والقومية والسلاح والمال العام، فعليهم أن يفهموا أن العراق ليس مزرعة لأحد، وأن ثرواته ليست غنيمة، وأن الدولة ليست ملكًا للأحزاب، وأن زمن تحويل الوطن إلى سوق للمصالح يجب أن ينتهي. العراق أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع. ومن يريد أن يبني العراق فسيجد شعبًا يقف معه، ومن يريد أن يسرقه فسيجد دولة يجب أن تقف في وجهه.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لعلي الزيدي: هل يستطيع أن يجعل الدولة فوق الجميع؟ إذا فعلها، فقد لا يكون مجرد رئيس وزراء... قد يكون الرجل الذي بدأ معه العراق رحلة استعادة مكانته.

أما إذا سمح للفاسدين أن يضعوا العصا في عجلة مشروعه، وللمصالح الحزبية أن تخنق قراراته، وللتدخلات الخارجية أن تصادر إرادته، فسوف تضيع فرصة أخرى، وسيبقى العراق يدور في الحلقة نفسها. والعراق اليوم لا يحتاج إلى دورة جديدة من الانتظار.

العراق يحتاج إلى قرار: قرار بأن يكون العراق للعراقيين. قرار بأن يكون القانون فوق الجميع. قرار بأن يكون النفط للعراق. قرار بأن يكون السلاح للدولة. قرار بأن يكون الاقتصاد للإنتاج. قرار بأن تكون الطائفة والقومية هويةً للإنسان، لا سلطةً على الدولة.

وعندها فقط يمكن أن نرفع رؤوسنا ونقول: بدأ العراق يستعيد نفسه.

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.