Erbil 28°C الثلاثاء 28 تموز 13:32

بلا إفلات

كل مخالفة لا تواجه بإجراءات قانونية عادلة، وكل تجاوز يمر دون محاسبة، يضعف الإيمان بمبدأ العدالة والمساواة أمام القانون

تُعد سيادة القانون الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة، فهي الضامن لتحقيق العدالة، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة. فلا يمكن بناء دولة قوية أو تحقيق تنمية مستدامة في ظل غياب القانون أو ضعف تطبيقه، إذ إن استقرار المجتمعات وازدهارها يرتبطان بوجود منظومة قانونية عادلة تُطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء.

 ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب يمثل خطوة جوهرية في ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية، وصيانة المال العام، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

لقد أثبتت التجارب أن غياب المساءلة لا يؤدي فقط إلى إضعاف هيبة الدولة، بل يفتح المجال أمام انتشار الفساد الإداري والمالي، ويؤثر في كفاءة المؤسسات، ويعرقل تنفيذ الخطط التنموية، ويحد من قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. فكل مخالفة لا تواجه بإجراءات قانونية عادلة، وكل تجاوز يمر دون محاسبة، يترك أثرًا سلبيًا في ثقة المجتمع، ويضعف الإيمان بمبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.

إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات أو البيانات، وإنما تحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، وإجراءات مؤسسية واضحة تستند إلى الدستور والقوانين النافذة، وتدعم استقلال السلطة القضائية، وتعزز دور الهيئات الرقابية، وتضمن تطبيق القانون بعدالة وشفافية. فالمسؤولية العامة تكليف لخدمة الوطن والمواطن، وليست امتيازًا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، كما أن المنصب العام يقترن دائمًا بالمسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المجتمع.

ولا يقتصر مفهوم المساءلة على محاسبة المخالفين بعد وقوع التجاوزات، بل يشمل أيضًا بناء منظومة متكاملة للوقاية من الفساد، من خلال تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات الإدارية، واعتماد معايير واضحة في التعيين والترقية، وتفعيل أنظمة الرقابة الداخلية، والاستفادة من التحول الرقمي في إدارة المؤسسات والخدمات الحكومية، بما يعزز الشفافية ويحد من فرص استغلال السلطة أو إساءة استخدام المال العام.

كما أن ترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون دون تمييز يمثل حجر الأساس لبناء الدولة الحديثة. فالمساواة أمام القانون ليست مجرد نصوص دستورية، بل هي ممارسة يومية تعكس احترام الدولة لمواطنيها، وتعزز الشعور بالإنصاف، وتؤكد أن الحقوق مصونة، وأن الواجبات تطبق على الجميع بالقدر نفسه، بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية أو اجتماعية.

ومن الجوانب المهمة في مواجهة الإفلات من العقاب، توفير بيئة تشجع على الإبلاغ عن حالات الفساد والمخالفات عبر القنوات القانونية، مع توفير الحماية اللازمة للمبلغين والشهود، بما يسهم في كشف التجاوزات وتعزيز فعالية المؤسسات الرقابية. كما أن الشفافية في نشر المعلومات المتعلقة بالأداء الحكومي، واحترام حق الوصول إلى المعلومات وفق الأطر القانونية، يعززان ثقة المواطن ويكرسان مبدأ المساءلة.

ويمتلك العراق مقومات كبيرة تؤهله لتحقيق نهضة شاملة، فهو يزخر بالثروات الطبيعية، والكفاءات العلمية، والطاقات الشبابية القادرة على الإبداع والإنتاج. غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه الإمكانات تتطلب بيئة قانونية وإدارية مستقرة، تقوم على النزاهة، وحسن الإدارة، وتكافؤ الفرص، والشفافية، بما يسهم في جذب الاستثمارات، وتحفيز الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات العامة.

وللإعلام المهني دور محوري في ترسيخ ثقافة احترام القانون، ونشر الوعي المجتمعي بأهمية المساءلة، وتعزيز قيم النزاهة، وتسليط الضوء على أهمية الإصلاح المؤسسي، مع الالتزام بالدقة والموضوعية واحترام الإجراءات القانونية. كما تضطلع الجامعات، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، بدور مهم في تنمية ثقافة المواطنة، وغرس قيم الأمانة والمسؤولية، وترسيخ احترام المال العام لدى الأجيال الجديدة.

إن بناء دولة المؤسسات مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والأجهزة الرقابية، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمواطنين. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتعاون الجميع، وبوجود إرادة وطنية تؤمن بأن قوة الدولة تكمن في عدالة مؤسساتها، واستقلال قضائها، واحترامها للدستور وسيادة القانون.

واليوم يقف العراق أمام فرصة مهمة لتعزيز مسيرة الإصلاح، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتفعيل مبدأ المساءلة وفق الدستور والقانون، بما يحقق العدالة، ويصون المال العام، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم. فكل خطوة تُتخذ في هذا الاتجاه تمثل استثمارًا في مستقبل الوطن، وتسهم في بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية وفاعلية، وتوفر بيئة آمنة للاستثمار والتنمية والاستقرار.

إن استعادة ثقة المواطن بالدولة لن تتحقق إلا عندما يرى أن العدالة تُطبق على الجميع دون استثناء، وأن القانون هو المرجع الأعلى، وأن الحقوق تُصان، والواجبات تُؤدى، والمسؤولية تقترن بالمحاسبة. فبسيادة القانون تُبنى الدول، وبالنزاهة تزدهر المؤسسات، وبالعدالة تستقر المجتمعات، وبإنهاء الإفلات من العقاب يخطو العراق بثقة نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وتنمية، يليق بتاريخ شعبه وطموحات أبنائه، ويؤسس لدولة قوية قوامها العدالة، واحترام القانون، وخدمة المواطن، وصون المصلحة العامة.

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.