Erbil 28°C السبت 12 أيلول 12:06

30 أيلول 2026 الموعد الأخير لسؤال الدولة.. ماذا لو رفضت المليشيات؟

لم يعد السؤال في العراق اليوم: هل تستطيع الدولة أن تحصر السلاح بيدها أم لا؟ بل أصبح السؤال أكثر خطورة ووضوحاً: ماذا ستفعل الدولة إذا رفضت القوى المسلحة أن تعود إلى القانون؟

إن 30 أيلول 2026 لم يعد مجرد تاريخ على روزنامة سياسية، بل تحول إلى نقطة اختبار حقيقية لمفهوم الدولة العراقية نفسه. فالحكومة أعلنت أن حصر السلاح بيد الدولة مسار سيادي، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الدستورية وحدها، كما أكدت أن مرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي ستشهد تسارعاً في حسم الملف.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية.

لأن الدولة لا تستطيع أن تكون دولة كاملة إذا كانت هناك قوة تمتلك السلاح والقرار السياسي والقدرة على استخدام القوة خارج منظومتها القانونية. ولا يمكن أن يكون هناك جيشان داخل دولة واحدة، ولا قراران للحرب والسلم، ولا سيادتان، ولا مرجعيتان للأمن الوطني.

لقد أصبح العراق أمام معادلة تاريخية بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: إما أن يكون السلاح للدولة، أو أن تصبح الدولة شريكاً في السيادة مع السلاح خارجها.

وهذه ليست معركة ضد مكوّن عراقي، ولا ضد طائفة، ولا ضد عقيدة دينية؛ بل هي معركة بين مفهومين للدولة: دولة تحتكر القوة وفق القانون، ودولة تتعايش مع قوى مسلحة تستطيع أن تفرض إرادتها بالقوة.

واللافت أن الخطاب الرسمي العراقي نفسه بات أكثر وضوحاً في هذه المسألة؛ فقد أكدت السلطات أن حصر السلاح لا يستهدف فصيلاً أو مكوّناً بعينه، وإنما يشمل كل سلاح خارج المؤسسات الرسمية أيّاً كانت الجهة التي تمتلكه.

لكن ماذا لو قالت بعض الفصائل: لا؟

هنا تبدأ السيناريوهات.

السيناريو الأول: الحرب الشاملة

أخطر الاحتمالات أن يتحول رفض تسليم السلاح إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة والجماعات المسلحة.

وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن بغداد تريد الحرب أو أنها تسعى إليها، بل يعني أن استمرار السلاح خارج الدولة قد يجعل الصدام نتيجة لمسار سياسي مسدود.

وفي هذه الحالة ستكون المسألة مختلفة تماماً عن أي مواجهة سابقة؛ لأن الدولة هذه المرة لا تواجه خصماً أمنياً منفصلاً عن المجتمع، وإنما تواجه تشكيلات لها امتدادات سياسية واجتماعية واقتصادية وشبكات نفوذ واسعة.

لكن هناك فارقاً جوهرياً: في السابق كانت الدولة تدخل في مواجهة مع جماعة مسلحة تحت عنوان أمني، أما في معركة حصر السلاح فإن الدولة تستطيع أن تقول إن المواجهة ـ إذا فُرِضت عليها ـ ليست حرباً على فصيل، وإنما دفاعٌ عن حق الدولة في احتكار القوة المشروعة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تقبل الفصائل أن تختبر الدولة بالقوة، وهي تعلم أن القوات الحكومية ليست وحدها في هذا الموقف؟

السيناريو الثاني: الخنق المالي والاقتصادي

إذا تحول الخلاف من حوار سياسي إلى تمرد مسلح على قرار الدولة، فقد تنتقل الأزمة من البندقية إلى المال.

وهنا يدخل العامل الأمريكي والدولي بصورة مختلفة. فالاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه النظام المالي الدولي، وتدفقات الدولار، والقنوات المصرفية الدولية. ولذلك فإن أي أزمة كبيرة بين بغداد والولايات المتحدة يمكن أن تتحول إلى ضغط مالي واقتصادي واسع.

لكن من الخطأ اختزال الأمر بالقول إن «الفيدرالي الأمريكي سيوقف الدولار للعراق» وكأن القرار إجراء آلي مباشر. المسألة أعقد من ذلك وتتعلق بالنظام المالي الدولي، والعلاقات المصرفية، والامتثال، والتحويلات، والسياسات الأمريكية تجاه المؤسسات المالية العراقية.

ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية الواضحة هي أن العراق لا يستطيع أن يتعامل مع الاقتصاد العالمي وكأنه جزيرة معزولة. ولهذا فإن من يعتقد أن بإمكانه تحدي الدولة بالسلاح وفي الوقت نفسه حماية الاقتصاد من نتائج هذا التحدي، قد يكون يقرأ نصف المشهد فقط.

السيناريو الثالث: الفوضى والصدام الداخلي

وهذا ربما يكون أخطر السيناريوهات على العراق: أن ترفض الفصائل قرار الدولة لكنها لا تدخل حرباً شاملة معها في البداية، بل تستخدم الضغط السياسي، والاستعراض المسلح، وقطع الطرق، والتهديد، والتعبئة الإعلامية، وربما الاحتكاك المحدود مع القوات الأمنية.

عندها يمكن أن يتحول العراق إلى دولة ذات مؤسسات رسمية لكنها عاجزة عن فرض قراراتها على الأرض. وهذا هو أخطر شكل من أشكال انهيار الدولة.

فالدولة لا تسقط فقط عندما يدخل جيش أجنبي عاصمتها؛ أحياناً تسقط الدولة عندما تصدر قراراً ولا يستطيع أحد تنفيذه. وعندما تصبح القوانين قابلة للتفاوض مع حامل السلاح، فإن الدستور يتحول إلى وجهة نظر، والسلاح يتحول إلى مصدر شرعية بديلة.

وهنا قد يتطور الصدام إلى مواجهة داخلية واسعة إذا وجدت القوات الحكومية نفسها مدعومة سياسياً واجتماعياً من قوى دينية ووطنية ترى أن حصر السلاح بيد الدولة ضرورة لحماية العراق.

المرجعية والصدر والسؤال الأصعب

المعادلة الجديدة قد تكون أكثر تعقيداً؛ لأن موضوع حصر السلاح لم يعد محصوراً في خطاب الحكومة وحدها، فهناك مواقف دينية ووطنية تؤكد مبدأ الدولة والقانون وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية. كما أن مقتدى الصدر عاد إلى طرح ملف حل الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة باعتباره خطوة لتجنيب العراق مخاطر أكبر، وقد وصفت جهات حكومية مبادرته بأنها أساس مهم في مسار حصر السلاح.

وهنا ستواجه الفصائل الرافضة للسلاح سؤالاً بالغ الصعوبة:

إذا كان حصر السلاح بيد الدولة ليس مشروعاً أمريكياً ولا إسرائيلياً ولا طائفياً، بل مطلب عراقي تتقاطع عليه الحكومة والمرجعية والقوى الوطنية وقوى سياسية شيعية مؤثرة، فما المبرر الذي يمكن أن تقدمه جماعة عراقية للاحتفاظ بسلاحها خارج الدولة؟

هل يصبح السلاح مقدساً عندما تحمله جماعة معينة؟

وهل تتحول المقاومة إلى حق دائم حتى بعد زوال الظروف التي أنشأت عنوانها؟

وهل تستطيع أي جماعة أن تقول إنها فوق الدولة لأنها قاتلت الإرهاب في مرحلة سابقة؟

هذه أسئلة لا يمكن الهروب منها بالشعارات.

العراق أمام لحظة الحقيقة

لقد انتهت مرحلة طويلة كان يمكن فيها تأجيل السؤال. اليوم لم يعد السؤال: من قاتل داعش؟ ولا: من يمتلك السلاح؟ بل: من يمتلك القرار؟

فالسلاح ليس مجرد بندقية، السلاح قرار سياسي، والقوة العسكرية تعني في جوهرها القدرة على فرض الإرادة. ومن يمتلك القوة خارج الدولة يمتلك جزءاً من القرار السيادي مهما حاول أن يقدم نفسه باعتباره جزءاً من الدولة.

ولهذا فإن معركة 30 أيلول ليست معركة على مخازن السلاح فقط، إنها معركة على تعريف الدولة العراقية نفسها: هل العراق دولة لها جيش وأجهزة أمنية وقرار حرب وسلام؟ أم منظومة سياسية تتعايش فيها عدة قوى مسلحة لكل منها حساباتها الإقليمية والسياسية؟

ماذا لو اختارت الفصائل الرفض؟

إذا اختارت الفصائل الرفض، فإن أمامها في الحقيقة خيارين لا ثالث لهما:

إما أن تدخل في تسوية سياسية تحفظ لمنتسبيها حقوقهم، وتُعيد تنظيم وجودهم ضمن مؤسسات الدولة، وتفك ارتباط السلاح بالقرار الحزبي.

وإما أن تختبر قدرة الدولة على فرض القانون.

وفي الحالة الثانية لن تكون المعركة مجرد مواجهة بين حكومة وفصيل، بل ستكون مواجهة بين منطق الدولة ومنطق القوة.

وهنا يجب أن تكون الدولة ذكية لا متهورة، قوية لا انتقامية، حازمة لا طائفية، وعادلة لا انتقائية. فإذا أرادت الدولة أن تنتصر في هذه المعركة، فعليها أن تجعل القانون فوق الجميع، وأن لا تستخدم مفهوم حصر السلاح ضد جماعة وتترك جماعة أخرى تحتفظ بالسلاح نفسه؛ فالدولة التي تريد احتكار القوة يجب أن تبدأ باحتكارها على أساس القانون لا على أساس الولاءات.

العراق لا يحتاج حرباً جديدة

العراقيون لا يريدون حرباً جديدة، فقد دفعوا ثمن الحروب بما يكفي. لكن رفض الحرب لا يعني قبول الفوضى، والدعوة إلى الحوار لا تعني تحويل الحوار إلى وسيلة لتأجيل القرار إلى ما لا نهاية، والتسامح السياسي لا يعني أن يصبح السلاح حقاً دائماً خارج مؤسسات الدولة.

الدولة تستطيع أن تتفاوض على كيفية إنهاء السلاح خارجها، لكنها لا تستطيع أن تتفاوض على مبدأ وجود الدولة نفسها. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تكون واضحة للجميع:

فمن يريد أن يكون سياسياً فليدخل السياسة.

ومن يريد أن يكون عسكرياً فليكن ضمن المؤسسة العسكرية.

ومن يريد أن يكون مقاتلاً فليحمل سلاح الدولة وتحت أمر الدولة.

أما أن تكون هناك قوة سياسية تحمل سلاحاً مستقلاً، وتمتلك قراراً مستقلاً، وتحتفظ بعلاقات إقليمية مستقلة، ثم تطلب من الدولة أن تحترم استقلالها، فهذه ليست دولة... هذه صيغة أخرى للحكم.

30 أيلول ليس نهاية العراق

ينبغي ألا ينظر العراقيون إلى 30 أيلول باعتباره موعداً للخوف، بل موعداً لاختبار الدولة.

إذا نجحت الدولة في تحويل الملف إلى مسار قانوني هادئ ومدروس، فإن العراق قد يدخل مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة. وإذا فشل الحوار وبدأ استخدام القوة خارج القانون، فإن العراق سيكون أمام أخطر اختبار منذ سنوات.

لكن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها؛ إنها تقع على كل فصيل، وكل حزب، وكل رجل دين، وكل سياسي، وكل قوة إقليمية تتعامل مع العراق باعتباره ساحة نفوذ.

لقد آن الأوان لكي يُطرح السؤال بصراحة: هل تريدون عراقاً يحكمه القانون أم عراقاً يحكمه السلاح؟ أما العراق الذي يريد أن يعيش كدولة مستقلة، فلا يمكن أن يبقى إلى الأبد بين دولتين وسلاحين وقرارين.

30 أيلول قد لا يكون نهاية المهلة بكل تفاصيلها التنفيذية، وقد يستمر الحوار بعده فعلًا كما تشير التصريحات الحكومية الأخيرة، لكن المؤكد أن مرحلة ما بعده ستكون مختلفة سياسياً؛ إذ تقول الحكومة إن مبررات استمرار السلاح خارج الدولة ستصبح أضعف بعد اكتمال انسحاب التحالف الدولي، وإن القوات العراقية مستعدة لحماية الأمن والسيادة.

وعندها لن يكون السؤال: متى تُحَلُّ المليشيات؟ بل سيكون: هل تقبل المليشيات أن تعيش في دولة واحدة، أم تريد أن تبقى الدولة تعيش معها؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين وطن تحكمه المؤسسات وساحة تحكمها موازين القوة.

 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.