Erbil 28°C الخميس 03 أيلول 15:45

"اتفاق مكة" المفتوح لانضمام الراغبين.. هل تشمل سوريا

أهمية اتفاقية الدفاع المشترك، يحمل أبعاداً أوسع من بعده العسكري البحت في خلق تحالف إقليمي

رفعت حاجي

تُعدّ اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، تحولاً استراتيجياً يهدف إلى بناء منظومة أمن إقليمي ذاتي وتقليل الاعتماد على الحماية الخارجية، وسط تأثيرات متوقعة للتيار السني، قد يعزز الدور المشترك لها بتحقيق الأهداف المطلوبة في سوريا التي خرجت من مخاض شديد خلال الحرب التي مرت بها، عبر التوجّه نحو إطار عسكري واقتصادي مشترك.

بالنظر إلى طبيعة الدول الثلاث ومكانتها وقدراتها، فالمملكة تتمتع بمكانة دينية محورية في العالمين العربي والإسلامي، وثقل اقتصادي، ودور رئيس في أمن الطاقة، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية دفاعية متقدمة، وحضورا إستراتيجيا واسعا في الشرق الأوسط إضافة لعضويتها في حلف الناتو، في حين تمثل باكستان الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وما تضيفه هذه القدرة إلى الوزن الإستراتيجي للاتفاقية.

يتمثل جوهر الاتفاقية وقيمتها الإستراتيجية الأساسية في النص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع فكان الطبيعي أن يثير إعلان الاتفاقية وتوقيتها اهتماما إقليميا ودوليا واسعا، وأن تتوالى حوله التحليلات والتعليقات حول دلالاته المهمة في بيئة أمنية بالغة الخطورة.

إذ جاءت التفسيرات بين من رأى في الاتفاقية بداية لنظام دفاعي جديد سيعيد تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، وبين من قلل من أهميته أو شكك في قيمته، وتركيبته التي تجمع ثلاث دول إسلامية سنية كبرى،  في الوقت الذي تصاعد التوترات والاعتداءات التي شنتها إيران والمليشيات التابعة لها على المملكة ودول الخليج والأردن، قد تقرأ الاتفاقية أيضا من زاوية الاصطفاف المذهبي، ليدفع إلى ردود فعل تزيد من التوتر، بدلا من أن تسهم في تعزيز الاستقرار.

فالمنطقة انتقلت من مرحلة الصراعات المحدودة إلى مرحلة أصبح فيها احتمال اتساع المواجهة الاقليمية قائما في أكثر من اتجاه. فالصراع الاميركي الإيراني لم يعد محصورا في الملفات النووية والعقوبات والضغوط السياسية، فيما تحولت المواجهة الإسرائيلية مع ايران إلى عنصر مؤثر في الحسابات الأمنية لدول المنطقة. ومع دخول الصواريخ والمسيرات والحرب السيبرانية واستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية والطاقة في معادلة الصراع، باتت الدول الإقليمية تنظر إلى أمنها، باعتباره مسألة تحتاج إلى ترتيبات تتجاوز الحدود الثنائية التقليدية.

فأهمية اتفاقية الدفاع المشترك، يحمل أبعاداً أوسع من بعده العسكري البحت في خلق تحالف إقليمي، قد تستفيد منه سوريا وهي تنهض من تركة ثقيلة خلفها النظام المخلوع، وتحاول بناء مؤسساتها وإعادة ملايين النازحين واللاجئين لبلدهم.

لاشك أن تركيا والسعودية -وهما عضوان في الاتفاقية- على توافق بشأن الأهداف المطلوب تحقيقها في سوريا، وأهمها دعم الاستقرار والأمن السياسي ودعم عملية إعادة البناء، ومنع التدخلات الخارجية، ومكافحة تهريب المخدرات وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية المشتركة.

هنا تظهر ملامح رؤية الدبلوماسية، بالانتقال من الاعتماد على ترتيبات يصنعها الآخرون إلى المشاركة، فالدول الثلاث هي من أهم شركاء "سوريا الجديدة"، السعودية لعبت دوراً أساسياً في إخراج دمشق من عزلتها. وعملت الرياض على إعادة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي، فالأمير محمد بن سلمان خلال زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الرياض، دفع باتجاه رفع العقوبات الأميركية عن سوريا في لقاء جمع الرئيسين ترمب والشرع، انضم إليه الرئيس التركي أردوغان عبر الاتصال المرئي.

ومن جهة أخرى يعكس اتفاق مكة تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، ويلوح بوجود إحباط متزايد لدى الرياض من الولايات المتحدة وسعيها إلى تنويع شراكاتها الأمنية، فالمنطقة تشهد تشكل محورين متزايدين، أحدهما يضم السعودية وتركيا وباكستان، في مقابل تقارب الإمارات مع الهند وإسرائيل، وسط حالة عدم اليقين الإقليمي، فأمن الخليج والبحر الأحمر يحتاج إلى هيكل أمني دائم تقوده السعودية بمشاركة تركيا وباكستان، لكنه قد يتطلب أيضًا دعم الولايات المتحدة وقوى أوروبية، مما يدفع دول المنطقة للبحث عن ترتيبات أمنية جديدة، فبالنسبة لسوريا الآن تمثل تركيا شريكًا مناسبًا بحكم قدراتها وعضويتها في حلف الناتو. فسنوات الحرب جعلت أنقرة لاعباً رئيساً في سوريا، ثم تحولت العلاقة بعد سقوط الأسد من إدارة أزمة على الحدود إلى شراكة مباشرة.

من الطبيعي أن تنظر دمشق إلى "اتفاق مكة" من موقع مرحب، دون أن تكون عضواً فيه، لكنها من المستفيدين من قيام شبكة ردع تضم أبرز حلفائها الإقليميين. وتزداد أهمية ذلك إذا نظرنا إلى خصوم "سوريا الجديدة" ومصادر التهديد المحيطة بها. فإيران خسرت بسقوط نظام الأسد أحد أهم مواقع نفوذها الإقليمي، وانقطع الجسر السوري من الممر الذي ربط طهران بالعراق ولبنان. أما إسرائيل، حولت جنوب سوريا إحدى ساحات الاحتكاك المباشر بين إيران وإسرائيل.

 هناك تحدٍّ ثالث لا يقل خطورة بالنسبة إلى دمشق (الميليشيات العابرة للحدود)، توجد فصائل مسلحة في العراق ترتبط بإيران والمشروع الذي عمل داخل سوريا طوال سنوات، كما أن "حزب الله" في لبنان الذي كان جزءاً أساسياً من الآلة العسكرية التي قاتلت إلى جانب النظام. ومن هنا، فإن أي ترتيبات إقليمية، تحجم الميليشيات عن مؤسسات الدولة، تصب في مصلحة "سوريا الجديدة"، لأن سوريا تحتاج إلى دول مستقرة على حدودها، لا إلى مغامرات عابرة للحدود.

بالنسبة إلى سوريا، اتفاق "مكة" هي معادلة تجمع حلفاءها وتضعف خصومها، لذا يعتبر جزءاً من بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لدمشق، كما أن قيام توازن إقليمي لا تحتكره إيران أو إسرائيل يمنح سوريا مساحة أكبر لإعادة بناء دولتها وجيشها واقتصادها. لذلك فهي من أبرز المستفيدين منه من دون أن تكون طرفاً فيه، وحاولت في الوقت نفسه إدارة التفاوض مع إسرائيل وتجنب الانجرار إلى صدام تحولها مرة أخرى إلى ساحة صراع.

إلا أنها تلقي بظلال ثقيلة ومباشرة على الواقع الكوردي، إذ يواجه المناطق الكوردية في سوريا ضغوطاً مضاعفة، فالتنسيق العسكري والاقتصادي المتوقع بين تركيا وسوريا (ضمن بيئة إقليمية تقودها أنقرة والرياض) يعني تضييق الخناق على المطالب الكوردية بالحقوق القومية، ويدفع نحو تسويات قسرية تدمج تلك المناطق تحت سلطة المركز في دمشق برعاية إقليمية، فالاتفاقية تمنح أنقرة غطاءً إقليمياً ومكاسب استراتيجية تزيد من ثقلها العسكري (عبر استخدام المسيرات والصناعات الدفاعية)، مما يقلص أي ضغوط إقليمية تعيق عملياتها العابرة للحدود.

بالتوازي مع فكرة "الاتفاق" المفتوح لانضمام الراغبين. تسعى تركيا إلى محاصرة أي عمق إقليمي، معتبرةً أن أي استقرار أمني تفرضه الاتفاقية يصب في مصلحة تثبيت الأمن الداخلي التركي، فأمن الحدود المشتركة تتحول إلى مصلحة مشتركة لمنظومة التحالف الجديد، ويفرض تعاوناً أمنياً صارماً بين أربيل وبغداد وأنقرة لضمان عدم تحول الأراضي العراقية إلى منطلق لتهديد الأمن القومي التركي، فيما جاء إلقاء حزب العمال الكوردستاني السلاح وانخراطه في الحياة الاجتماعية يمثلان بداية مسار يمكن أن يشكل نموذجا في سوريا (إذا اكتمل هذا المسار بنجاح). وستؤدي أيضا دوراً مهما في مسار الاندماج وإعادة التأهيل في استجابة ظرفية لبيئة دولية وإقليمية متغيرة، فبعد يوم واحد من مراسم التوقيع في مكة، بدأت في البرلمان مناقشات تحويل المشروع الهادف لنزع سلاح حزب العمال الكوردستاني، والمعروف باسم "مسار تركيا بلا إرهاب"، إلى قانون حظي بدعم أحزاب المعارضة أيضا.

الأخبار

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.