بين حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن جولة تفاوضية ثانية، واستخفاف إيران بتمديد الولايات المتحدة للهدنة، تتبدّد الغموض الذي يحيط بعملية التفاوض، حيث يتم اجراءها عبر القنوات السرية بين الطرفين من خلال الوسطاء. لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه، إذاً هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟
يرجّح الأول سبب عرقلة المفاوضات إلى صراع داخل النظام الإيراني وما يجري من "تخوين" متبادل، بين الطرف الذي يريد حلاً متوازنا مع الولايات المتحدة، وآخر يتمسك باتفاق يظهر طهران منتصرة.
يأتي ذلك في الوقت الذي يشهد النظام الإيراني، حالة من تكوين جبهات مضادة، ومزايدة بين الأجنحة أمام الشارع، في ظل غياب الحاكم الحقيقي وهو المرشد المجهول المصير.
فيما تأكيد إسلام آباد على"جهود الوساطة الإيجابية" يظهر جلياً أن هناك مباحثات عبر قنوات سرية للغاية من خلال الوسطاء، لإنجاز تفاهمات خالية من التردد والتخبط الذي سبق الجولة التفاوضية التي ألغيت مؤخراً، وأن يزيح الغموض الاستراتيجي الذي يحيط بموقف الجانبين.
فالطرفان يريدان إنهاء الحرب ولكن كل واحد منهما يريدها بشكل يناسب وجهة نظره ويحمي ماء وجهه، حيث بدا أن كل ما يجري من جانب الأطراف المتفاوضة، هي عملية إلقاء أوراق الضغط بين الأطراف المتحاربة في وجه بعضها بعضًا، من أجل جولة تفاوضية ثانية محتملة، يسبقها تقوية للشروط المتبادلة.
فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، نقلت الأزمة من مرحلة "اختبار إمكان الجولة الثانية" إلى مرحلة تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، هذا لا يعني العودة الفورية إلى الحرب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض مستمرة، إذاً لم تعد إسلام آباد تبدو، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.
في الوقت الذي تراهن إيران على ما يتعرض له الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة مع غلق مضيق هرمز وهي رسالة منها في محاولة للضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحصار على موانئها. تريد الولايات المتحدة الوصول إلى اتفاق يترجم كل الضغوط مروراً بالضربات التي وجهتها لإيران للوصول إلى مبتغاها، وهو ما يجعل الرئيس الأمريكي يركز حاليا على الحشد العسكري مع زيادة محاصرة الموانئ الإيرانية.
المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً، فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل مخزون اليورانيوم ومستقبل التخصيب تصب في أولويات خطتها، أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.
لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. لذا أنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.
وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول: هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟
وفي هذا الصدد قال صحيفة "وول ستريت جورنال": إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة. وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.
في الوقت الذي تصر طهران على أنها موحدة وقوية، تستمر التقارير الغربية في الإشارة إلى وجود خلافات داخلية، ما يعكس صراعًا واضحًا بين روايتين متناقضتين: وجود تيار في طهران يريد طاولة تخفف من وطأة الحصار الإقتصادي عن إيران، فيما آخر يريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار.
بينما تحدثت تقارير غربية عن وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانية فنّد مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، أي حديث عن تصدعات داخل النظام، وهاجم الرواية الأمريكية التي تتحدث عن وجود صراعات داخلية في إيران، معتبرًا أن هذه المزاعم محاولة لتشويه صورة الداخل الإيراني، قائلاً إن الحديث عن خلافات داخل طهران يقابله في الواقع انقسام واضح داخل معسكر الغرب نفسه. وأشار إلى التوترات بين واشنطن وحلفائها، سواء في أوروبا أو في ملفات دولية أخرى، ليؤكد أن الصورة الحقيقية ليست ضعف إيران، بل تراجع تماسك خصومها.
في المقابل، كانت تقارير أمريكية – أبرزها ما نشرته وول ستريت جورنال – قد أشارت إلى وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانية، خاصة حول كيفية التعامل مع المفاوضات مع واشنطن، ووجود تيارات مختلفة بين متشددين داخل الحرس الثوري وآخرين يميلون إلى التهدئة لتحسين الوضع الاقتصادي ، في ظل تصاعد التوتر في مضيق هرمز، تتخذها واشنطن أوراقاً لحلحلة تعقيد المشهد السياسي.
تصريحات ولايتي تأتي في توقيت حساس، حيث تحاول إيران إظهار جبهة داخلية متماسكة، وتؤكد أن الحصار البحري المفروض على موانئها يوجعها ويسبب لها خسائر اقتصادية، لكنها لن ترضخ للمطالب الأمريكية ولن تذهب إلى مفاوضات لا تملك فيها الأوراق الكاملة وتصف المطالب الأمريكية بأنها مفرطة وخاصة ما يتعلق بإنهاء البرنامج النووي الإيراني إلى الأبد، حيث ترى أن هذا الشرط لم يتحقق خلال الحرب وهي غير مستعدة للخضوع له خلال التفاوض، كما تنزعج من اللغة التي يستعملها الرئيس الأمريكي ضدها والتي توحي -حسبها- بأنها استسلمت.
ويقول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تصريحاته إن الحصار يرعب النظام الإيراني أكثر من القصف، ويطالب إيران برد موحد على العرض الجديد الذي قال إنه قدمه لها، من أجل عقد الجولة الثانية من المفاوضات بين الطرفين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن