Erbil 28°C الأربعاء 29 نيسان 17:36

بين سنن الكون وضجيج الدعاية: كيف يُصادَر العقل حين يُختزل المطر في رادار

في مفتتح كل وعيٍ حيّ، تقف أسئلةٌ لا تقبل التأجيل: لماذا نرى ولا نبصر؟ ولماذا نسمع ولا نميّز؟ لقد خاطب القرآن عقل الإنسان قبل عاطفته، واستنهض فيه ملكة النظر والتفكّر: أفلا يتفكّرون؟ أفلا يعقلون؟—دعوةٌ صريحة إلى كسر العادة، ومقاومة السردية السهلة، والبحث عن العلّة لا الاكتفاء بالأثر. فالعقل الذي لا يسأل، يُقاد؛ والوعي الذي لا يمحّص، يُستَخدم.

ومن هنا تتكشّف لنا حكاية “الرادارات التي كانت تمنع المطر” بوصفها نموذجًا مكثفًا لكيف تُصنَع القناعة الزائفة: حدثٌ عسكري يُربط بظاهرة طبيعية، فيُنسج منه خيط سببي لا أصل له، ثم يُقدَّم للجمهور في صورة “كشفٍ مدهش”. إنها الراحة التي يطلبها الذهن حين يهرب من التعقيد إلى التبسيط، ومن البرهان إلى الحكاية.

علميًا، الرادار ليس سوى أداة رصد. موجاتٌ راديوية تُرسَل وتعود، فتُخبرنا بما في الجو من أجسام—طائرات، صواريخ، أو حتى سحب—لكنها لا تصنع شيئًا مما ترصده. الكاميرا ترى المطر ولا تُنزلُه، والرادار يقيس السحب ولا يخلقها. أما الطقس، فنتاج منظومة كونية واسعة تُدار وفق سنن ثابتة: توازنات الضغط الجوي، وحركة التيار النفاث، وتبادل الحرارة بين المحيطات واليابسة، وصعود الكتل الهوائية وهبوطها. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها البنية العميقة التي تتحكم في مسارات السحب وتوقيت الهطول.

إن طاقة الأنظمة الجوية التي تُحرّك الغيوم وتبني العواصف تفوق—بمقاييس الفيزياء—قدرة أي جهاز أرضي على التأثير الحاسم. لذلك، فإن الادعاء بأن “رادارًا” يمنع المطر عن منطقة أو “إزالته” يعيد الهطول، هو قفزة فوق سلّم العلم كله. ليس لأننا نرفض الفكرة، بل لأننا نعرف حدود الممكن: العلم لا يُبنى على الرغبة، بل على القابلية للاختبار والتكرار.

قد يُقال: أليست هناك تقنيات بشرية للتأثير في المطر؟ نعم، هناك ما يُعرف بتلقيح السحب، وهي محاولات محدودة لتحفيز الهطول داخل سحبٍ مهيّأة أصلًا. لكنها تظل تأثيرات موضعية، مشروطة، لا تخلق سحبًا من العدم ولا توقف منظومات جوية كبرى. الفرق بين “التحفيز المحدود” و“التحكم الشامل” هو الفرق بين تعديلٍ طفيف على هامش النظام وبين امتلاك زمام النظام كله—وهذا الأخير خارج القدرة البشرية الراهنة.

كيف، إذن، تنتشر رواية بهذه الهشاشة؟

الجواب في آليات الدعاية، لا في حقائق الطبيعة.

أولًا: خلط التزامن بالسببية. وقوع المطر بعد حدثٍ عسكري لا يعني أن الحدث سبّبه. هذه مغالطة من أقدم ما عُرف في التفكير الإنساني.

ثانيًا: استدعاء “الغموض التقني”. حين يُقال إن هناك “سلاحًا سريًا للتحكم بالطقس”، تُغلق أبواب النقاش؛ لأن الغموض يحلّ محل البرهان.

ثالثًا: استعارة سلطةٍ خارجية. نسب الادعاء إلى “خبير” أو “صحفي أجنبي” يمنح الرواية هالة مصداقية، حتى لو كان النقل مبتورًا أو بلا سياق.

رابعًا: الإغراء النفسي. القصة البسيطة التي تُشخّص العدو وتمنح انتصارًا سريعًا تُشبع حاجةً عاطفية، فتنتشر أسرع من الحقيقة المعقّدة.

لكن الثمن باهظ. حين يُستبدل العلم بالسردية، يتراجع الحس النقدي، ويصبح كل شيء قابلًا للتسييس: عاصفة تُتَّهم بها دولة، جفاف يُنسب إلى خصم، فيضان يُقرأ كرسالة حرب. وهكذا تُمحى الحدود بين قوانين الكون وخطابات البشر.

إن سنن الكون لا تُدار ببيانات سياسية، ولا تُعدّلها رغبات الجنرالات. ما نشهده من أمطارٍ وجفاف، من عواصف وزلازل، من فيضانات وموجات حر، ومن ظواهر كبرى مثل الاحتباس الحراري، إنما يجري ضمن نظام بالغ التعقيد، تُفسّره الفيزياء وعلوم الأرض، وتدرسه النماذج المناخية، ويُختبر بالملاحظة والقياس. هذه هي اللغة التي يفهمها الكون: قانونٌ يُصاغ، وتجربةٌ تُعاد، ونتيجةٌ تُراجع.

وهنا يعود النداء الأول: أفلا يتفكّرون؟ أفلا يعقلون؟

ليس المقصود تكديس المعلومات، بل تربية المنهج:

أن نطلب الدليل قبل التسليم.

أن نفرّق بين “تزامن” و“سببية”.

أن نسأل عن آراء المختصين، لا عن صدى المنصات.

أن نختبر الادعاء بميزان ما نعرفه من قوانين الطبيعة.

الوعي ليس خصومة مع أحد، بل صداقة مع الحقيقة. والإنسان الحرّ لا يُعرَّف بما يصدّق، بل بكيف يصدّق. فإذا كان لا بد من موقف حازم، فهو هذا: لا تُسلِّم عقلك لأي رواية تُرضي عاطفتك وتُهين فهمك. فالعقل أمانة، ومن يفرّط فيه، يفتح الباب لكل وهمٍ أن يقوده.

في زمن تتكاثر فيه الحكايات، يبقى البرهان هو الفاصل. وما بين سنن الكون وضجيج الدعاية، يختار الإنسان موقعه: إمّا شاهدٌ يفهم… أو صدى يُكرِّر.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.