Erbil 28°C الأحد 24 أيار 22:36

صراع الإرادات بين أمريكا وإسرائيل وإيران 

مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة قد لا يُحسم بانتصار عسكري حاسم، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الزمن أكثر من خصومه. وربما لهذا السبب أصبح السؤال الحقيقي اليوم ليس: من الأقوى عسكرياً؟ بل: من يستطيع الاستمرار أطول دون أن ينهار من الداخل؟                              

لم يعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط مجرد نزاع سياسي عابر بين دول متنافسة، بل تحول إلى صراع إرادات تاريخي يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة والعالم. فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، لتصبح معركة وجود ونفوذ وهوية استراتيجية، تختلط فيها العقيدة بالجغرافيا، والطاقة بالأمن، والحرب النفسية بالاقتصاد العالمي.

الولايات المتحدة ترى نفسها القوة التي يجب أن تحافظ على النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، وترفض ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد نفوذها في الخليج أو تهديد أمن إسرائيل أو تعطيل طرق الطاقة العالمية. أما إسرائيل، فهي تنظر إلى إيران باعتبارها الخطر الاستراتيجي الأكبر منذ تأسيسها، ليس فقط بسبب البرنامج النووي، بل بسبب المشروع الصاروخي وشبكات النفوذ الممتدة في المنطقة. في المقابل، ترى إيران أن التراجع أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية يعني نهاية مشروعها الإقليمي وربما تهديد بقاء النظام نفسه.

ولهذا فإن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عسكرية، بل معركة على “من يفرض قواعد الشرق الأوسط الجديد”.

التقارير والتحليلات الغربية تتحدث بوضوح عن وجود تنسيق عسكري غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة إيران، مع اختلاف عميق في الأهداف النهائية. فبينما تميل واشنطن أحيانًا إلى سياسة الاحتواء والضغط المرحلي، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعًا نحو إضعاف إيران استراتيجيًا ومنعها من التحول إلى قوة ردع إقليمية مكتملة. 

إسرائيل تدرك أن الزمن ليس في صالحها؛ فكل عام يمر يمنح إيران مزيدًا من الخبرة في تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين. لذلك تضغط تل أبيب باستمرار لمنع أي اتفاق أمريكي مع طهران لا يشمل تفكيك القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي، لأنها ترى أن الاتفاقات المؤقتة تمنح إيران فرصة لإعادة بناء قوتها. 

أما إيران، فهي تخوض المعركة بعقلية “الصبر الاستراتيجي”. فالنظام الإيراني يدرك أنه لا يستطيع مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب تقليدية مفتوحة وطويلة، لكنه يراهن على عامل الزمن والاستنزاف. ولهذا اعتمدت طهران طوال السنوات الماضية على بناء منظومة ردع غير تقليدية:

الصواريخ الباليستية
المسيّرات
النفوذ الإقليمي
الحرب البحرية
والقدرة على تهديد الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز

إيران تحاول أن تقول للعالم إن أي حرب ضدها لن تكون حربًا محدودة، بل أزمة عالمية تطال الطاقة والأسواق والأمن الإقليمي. ولهذا أصبح مضيق هرمز أحد أخطر أوراق الضغط في هذا الصراع. 

لكن paradox الصراع أن كل طرف يخشى الحرب الشاملة ويستعد لها في الوقت نفسه.

أمريكا لا تريد غرقًا جديدًا في الشرق الأوسط بعد تجارب العراق وأفغانستان، لكنها أيضًا لا تستطيع السماح لإيران بفرض معادلة ردع جديدة في الخليج. وإسرائيل تخشى أن يؤدي أي تراجع أمريكي إلى تحول إيران إلى قوة إقليمية لا يمكن احتواؤها لاحقًا. أما إيران، فهي تعرف أن الحرب الشاملة قد تكون مدمرة اقتصاديًا وعسكريًا، لكنها ترى أن التراجع الكامل أخطر من الحرب نفسها لأنه قد يهز شرعية النظام داخليًا.

لذلك يتحول الصراع تدريجيًا إلى “حرب استنزاف إرادات” أكثر منه حرب حسم عسكري سريع.

فأمريكا تستخدم:

العقوبات

الحصار المالي

الضربات المحدودة

والعزلة الدولية


بينما تستخدم إيران:

الصمود الطويل

رفع كلفة المواجهة

الضغط عبر الممرات البحرية

والحرب غير المباشرة


أما إسرائيل، فتحاول دفع الصراع نحو نقطة لا يعود بعدها ممكنًا التعايش مع المشروع الإيراني أصلًا.

المثير أن هذا الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا ونفسيًا وإعلاميًا أيضًا. فالحرب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالصواريخ، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الإنهاك الطويل. الدراسات الحديثة حول الاقتصاد الإيراني تشير إلى أن المواجهة الممتدة مع الغرب تركت آثارًا عميقة على الاقتصاد والاستقرار المؤسسي والاستثمارات والبنية الاجتماعية داخل إيران. 

وفي الوقت نفسه، تظهر داخل المجتمعات العربية حالة قلق متزايدة من أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة تصفية حسابات دولية. النقاشات الشعبية على المنصات العربية تعكس خوفًا من أن تدفع شعوب المنطقة ثمن صراع لا يخدم استقرارها المباشر، خاصة مع تصاعد المخاوف من اتساع الحرب إلى الخليج والعراق ولبنان. 

فلسفيًا، يمكن قراءة هذا الصراع بوصفه مواجهة بين ثلاثة تصورات للعالم:

أمريكا تمثل فكرة النظام العالمي الأحادي القائم على الهيمنة الاستراتيجية.

إسرائيل تمثل فكرة الأمن الوجودي الدائم الذي لا يقبل أي تهديد مستقبلي.

أما إيران فتمثل فكرة “الدولة العقائدية” التي ترى نفسها في مواجهة تاريخية مع الغرب وتعتبر الصمود جزءًا من هويتها السياسية.

ولهذا يبدو أن المنطقة دخلت فعلًا مرحلة طويلة من التوتر المزمن، حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق نصر كامل، ولا يستطيع أي طرف الانسحاب بسهولة.

فالولايات المتحدة تملك التفوق العسكري الهائل لكنها لا تملك ضمان السيطرة الكاملة على نتائج الفوضى.

وإسرائيل تملك القدرة على الضرب لكنها تخشى حرب الاستنزاف الطويلة.

أما إيران فتملك القدرة على الإرباك والإنهاك لكنها تعاني من ضغط اقتصادي داخلي متزايد.

ومن هنا فإن مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة قد لا يُحسم بانتصار عسكري حاسم، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الزمن أكثر من خصومه. وربما لهذا السبب أصبح السؤال الحقيقي اليوم ليس: من الأقوى عسكرياً؟ بل: من يستطيع الاستمرار أطول دون أن ينهار من الداخل؟

الأخبار الشرق الاوسط

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن

الرد كضيف

هل ترغب في تلقي إشعارات؟
ابق على اطلاع بآخر أخبارنا وأحداثنا.