إذا صحت المعلومات التي تتحدث عن أن حكومة علي الزيدي أبلغت طهران رسمياً بعدم الترحيب بزيارة إسماعيل قاآني أو اجتماعه بالفصائل المسلحة من دون علم الحكومة، فإن الحدث ليس عادياً؛ فهو يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في العراق منذ عام 2003: من يملك القرار العراقي؟ بغداد أم العواصم الأخرى؟ ومع ذلك، فإن هذا الخبر وحده لا يكفي للحكم بأن العراق دخل مرحلة التحرر من النفوذ الإيراني، كما لا يكفي أيضاً للجزم بأنه مجرد مسرحية.
أولاً: لماذا يبدو الخبر كبيراً؟
لأن إسماعيل قاآني ليس وزير خارجية أو سفيراً، بل قائد عسكري يقود الملف الإيراني في عدد من دول المنطقة. وعلى مدى سنوات، كانت زياراته إلى بغداد تُرافقها لقاءات مع قادة أحزاب وفصائل، وغالباً ما كانت تُفسَّر على أنها جزء من إدارة إيران لتوازنات البيت الشيعي العراقي.
لذلك، فإن منع هذه اللقاءات -إن حصل فعلاً- يعني أن الحكومة تريد رسم خط أحمر جديد: أي علاقة بين الفصائل وإيران يجب أن تمر عبر الدولة العراقية، لا خارجها. هذا، نظرياً، يمثل تحولاً كبيراً، لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
ثانياً: هل تستطيع أي حكومة عراقية تقليص النفوذ الإيراني؟
الجواب الواقعي: نعم، ولكن ليس بسرعة. إيران لم تبنِ نفوذها في العراق خلال سنة أو سنتين، بل خلال أكثر من عشرين عاماً. ونفوذها لا يقوم فقط على الفصائل المسلحة، وإنما أيضاً على:
أحزاب مشاركة في الحكم.
علاقات اقتصادية وتجارية واسعة.
شبكة مصالح داخل مؤسسات الدولة.
ارتباطات عقائدية وسياسية.
نفوذ اجتماعي وديني.
ولهذا فإن من يعتقد أن بياناً حكومياً أو قراراً واحداً سينهي هذا النفوذ، يبالغ في تقدير قدرة أي حكومة عراقية.
ثالثاً: هل يمكن أن تكون الخطوة مجرد "مسرحية"؟
هذا الاحتمال موجود، لكنه يحتاج إلى دليل. هناك من يطرح نظرية تقول إن إيران قد تسمح بظهور خلافات شكلية مع الحكومة العراقية حتى تخفف الضغوط الأمريكية والعربية، أو تمنح الحكومة مساحة لإظهار استقلاليتها أمام الرأي العام. هذه النظرية ليست مستحيلة، لكن المشكلة أنها أيضاً ليست مثبتة؛ فالسياسة الإيرانية كثيراً ما تعتمد المرونة التكتيكية، أي تقديم تنازلات محدودة للحفاظ على المكاسب الكبرى.
لكن هل هذا ما يحدث الآن؟ لا نملك حتى الآن دليلاً قاطعاً.
رابعاً: الاختبار الحقيقي
إذا كانت الحكومة جادة، فستظهر مؤشرات واضحة خلال الأشهر المقبلة، مثل:
منع أي مسؤول أجنبي من الاجتماع بالفصائل خارج الأطر الرسمية.
إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة.
ملاحقة الفاسدين مهما كانت انتماءاتهم.
وقف استخدام العراق كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
تقليل اعتماد العراق الاقتصادي على إيران عبر تنويع الشراكات.
أما إذا بقي كل شيء كما هو، واستمرت اللقاءات السرية، واستمرت الفصائل تتصرف باستقلالية عن الحكومة، فستكون الرسالة مجرد خطاب سياسي.
خامساً: لماذا قد تكون إيران مضطرة للتراجع؟
هناك معطيات تغيرت مقارنة بما قبل سنوات؛ فإيران خرجت من أزمات إقليمية واقتصادية وأمنية معقدة، وأصبحت أقل قدرة على إدارة الملفات الخارجية بالطريقة السابقة. كما أن العراق نفسه بدأ يدرك أن استمرار كونه ساحة صراع بين واشنطن وطهران يكلفه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.
لهذا قد تقبل طهران بتخفيف ظهور نفوذها، دون أن تتخلى عنه بالكامل، وهذا فرق مهم؛ فالنفوذ قد يصبح أقل ظهوراً، لكنه لا يختفي.
سادساً: هل حكومة الزيدي قادرة على المواجهة؟
إذا دخلت الحكومة فعلاً في مواجهة مع الفصائل وإيران، فهي ستواجه تحديات ضخمة؛ فالنفوذ الإيراني ليس عسكرياً فقط، بل سياسي واقتصادي أيضاً. ولهذا فإن نجاح أي حكومة يحتاج إلى:
دعم داخلي واسع.
توافق شيعي وسني وكردي.
دعم عربي.
تفاهم مع الولايات المتحدة.
وعدم الانزلاق إلى صدام أهلي.
أي حكومة تفتقد هذه العناصر ستجد نفسها مضطرة إلى التسويات.
من الخطأ الاعتقاد أن العراق تحرر من النفوذ الإيراني بمجرد تداول خبر عن رفض زيارة إسماعيل قاآني، كما أن من الخطأ أيضاً افتراض أن كل خطوة تصدر من الحكومة هي "مسرحية" من دون أدلة.
النفوذ الإيراني في العراق حقيقة سياسية تراكمت خلال عقدين، ولا يزول بقرار واحد. وفي المقابل، فإن أي حكومة تضع لأول مرة قيوداً رسمية على تحركات مسؤولين إيرانيين أو على تواصلهم مع الفصائل -إن ثبت ذلك عملياً- فإنها ترسل إشارة سياسية تستحق المتابعة.
الحكم النهائي لن يكون على أساس التصريحات أو التسريبات، بل على أساس ما سيحدث بعد ستة أشهر أو سنة: هل ستصبح الدولة العراقية المرجع الوحيد للسلاح والقرار السياسي، أم ستظل مراكز القوة الموازية قادرة على العمل كما كانت؟ عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يستعيد سيادته، أو أن ما جرى لم يكن سوى تغيير في الخطاب مع بقاء موازين القوة على حالها.
(المقالات المنشورة تعبر عن آراء كتابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر المؤسسة الإعلامية)
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن