ليس أخطر ما أصاب الإنسان الحديث أنه عبدُ المال، بل أنه أعاد تعريف القيم بلغة السوق؛ فأصبح كل شيء قابلاً للتسعير: النجاح، والوجاهة، والعلاقات، بل وحتى الحب. وما لا يحمل ثمناً في نظر السوق، فقد قيمته في نظر كثيرٍ من الناس. وهكذا لم يعد السؤال: "من أنت؟" بل أصبح: "ماذا تملك؟" وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالإنسان يُولَد حراً في فطرته، ثم يتعلم تدريجياً أن قيمته لا تُقاس بما هو عليه، وإنما بما يملكه. يتلقى هذه الرسالة من الإعلانات، ومن المجتمع، ومن بعض البيوت، ومن تجارب الحياة. شيئاً فشيئاً، يتحول من كائن يبحث عن الحقيقة إلى كائن يبحث عن الاعتراف، ومن طالبٍ للمحبة إلى متسولٍ للإعجاب. وشتان بين الأمرين! المحبة ترى الإنسان كما هو، أما الإعجاب فيرى ما يحيط به. المحبة تعانق الروح، أما المصلحة فلا ترى إلا الظلال. ولهذا كانت المصالح كثيرة، والمحبة نادرة.
إن المال لا يغيّر حقيقة الإنسان بقدر ما يكشف حقيقة الآخرين؛ فالوجوه التي تتقاطر عند الثروة قد تختفي عند الفقر، والمديح الذي يملأ الأسماع قد ينقلب صمتاً عندما تنطفئ الأضواء. عندها يدرك الإنسان أن كثيراً مما ظنّه وفاءً لم يكن إلا استثماراً ناجحاً. وليس هذا عيباً في المرأة وحدها كما يردد بعض الغاضبين، ولا في الرجل وحده كما يدعي آخرون، بل هو ضعف بشري مشترك؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى مصادر القوة والأمان والجمال والمنفعة، لكن الأخلاق هي التي تهذب هذا الميل وتمنعه من أن يتحول إلى استغلال. ولهذا فإن الحضارات لا تُبنى بالغريزة، بل بالقيم.
إن المشكلة ليست في أن يبحث الإنسان عن حياة كريمة، فهذا حق مشروع، وإنما في أن يجعل الكرامة نفسها مرهونةً بالمال؛ عندها يصبح الفقير متّهماً حتى يثبت غناه، ويصبح الغني محترماً حتى يثبت فساده. وهذا انقلابٌ في ميزان العدالة.
ولعل أعظم خدعة صنعها المجتمع أنه أقنع الناس بأن النجاح يُرى ولا يُعاش؛ فصار الإنسان يهتم بما يبدو عليه أكثر مما هو عليه، وأصبح يخشى أن يبدو فقيراً أكثر مما يخشى أن يكون ظالماً أو منافقاً. لقد انتصر المظهر على الجوهر، وصارت العلاقات -في كثيرٍ من الأحيان- تشبه الأسواق المالية؛ ترتفع قيمتها مع الصعود، وتهبط مع الأزمات، ويغادرها المستثمرون عند أول خسارة. أما الحب، فلا يعرف هذه اللغة. الحب لا يسأل: كم تملك؟ بل يسأل: كم تحمل من صدق؟ وكم في قلبك من رحمة؟ وهل تبقى إذا انطفأت المصابيح وغابت المناصب وتبدّدت الثروة؟ ولهذا كان الحب امتحاناً للأرواح، لا صفقةً بين المصالح.
إن التاريخ يعلّمنا أن الحضارات لا تنهار عندما تفتقر إلى المال، وإنما تنهار عندما يصبح المال هو الإله الخفي الذي تُقاس به كل القيم. فحين تُشترى الضمائر، وتُوزن الكرامة بالذهب، وتُقاس الإنسانية بالمكانة الاجتماعية، لا يعود الفساد حادثةً عابرة، بل يصبح ثقافةً عامة. ومن هنا، فإن معركة الإنسان ليست مع الفقر وحده، بل مع عبادة المظاهر؛ فالفقير قد يكون عزيز النفس، والغني قد يكون فقير الروح. وقد يملك أحدهم العالم كله، لكنه يعجز عن شراء قلبٍ واحد يحبه لذاته. وهذه هي أقسى صور الإفلاس.
في النهاية، سيكتشف كل إنسان أن المال يشتري الرفاه، لكنه لا يشتري السكينة، ويشتري النفوذ، لكنه لا يشتري الاحترام الحقيقي، ويجمع الناس حول المائدة، لكنه لا يضمن بقاءهم عند الشدائد. أما الذي بنى حياته على العلم، والصدق، والمروءة، والإحسان، فإنه يترك أثراً لا تستطيع الأسواق بيعه ولا شراءه. فالذهب يلمع تحت الشمس، لكن الأخلاق تضيء في الظلام.
وسيظل السؤال الذي يطارد البشرية كلها، مهما تغيرت الأزمنة: هل نحب الإنسان لأنه إنسان... أم لأننا نطمع فيما يملك؟ والجواب عن هذا السؤال ليس مجرد رأي في العلاقات، بل هو معيار حضارةٍ كاملة؛ لأن الأمة التي تجعل الإنسان وسيلةً للمنفعة، ستخسر إنسانيتها قبل أن تخسر ثروتها، أما الأمة التي تجعل الإنسان غايةً في ذاته، فهي وحدها التي تستحق أن تُسمى أمةً متحضرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن