قراءة في أفكار عن الحرب مع إيران
رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إيران في حربها الأخيرة التي انتهت بالموافقة على مذكرة تفاهم غابت عنها الشعارات (المقدسة) لنظام ولاية الفقيه، والتي يمكن وصفها بانكسار لمبدأ ولاية الفقيه في معركة غير متكافئة، إلا أن تداخل البعد العسكري والسياسي والأيديولوجي مع المتغيرات الاقتصادية والتطورات التقنية المستخدمة في هذه الحرب، التي طالت حصاراً اقتصادياً شاملاً على المستويين الإقليمي والعالمي، جعل وجهات النظر تختلف في تقييماتها المبكرة لنتائج وتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
هناك من يبني على إحصائيات للخسائر المادية لكل طرف فيها، وهناك من يزعم انتصار أحد أطرافها بناءً على الصمود الاستراتيجي لإيران أو تكريس الهيمنة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وهناك من يحلل وفق ما ورد في مذكرة التفاهم المعلن عنها بين الطرفين... وهناك من يزرع الأمل بنزعات ومزاجيات القرن العشرين وكأنه يعيش وسط تظاهرات جماهيرية ترفع فيها الشعارات وتُقال فيها القصائد.
السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو كانت الحقيقة غير التي ننظر إليها على الشاشة؟
القاعدة المتفق عليها أن التاريخ يكتبه المنتصرون في الحروب، وأن النتائج هي تلك التي تنسجها دوائر صنع القرار بغض النظر عن مشهد الصواريخ والمدافع في حرب تلعب بها تقنيات متطورة تتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية. والمنهزمون في الحروب باعتقادي هم من لا دور لهم غير دور المتفرجين على المشهد؛ لأنهم غالباً من يدفع الثمن.
المهم أن ندرك المشهد بما يحمله من خفايا وليس كما نتمنى، وأن الحقيقة الأقرب هي التي تفصح عنها خرائط النفوذ التي تنتج عن الحرب بعد انتهائها والاتفاقيات التي تعقد في إثرها، وذلك يتطلب دراسة جدوى اقتصادية وسياسية وعسكرية، ومرتسمات للخرائط التي تُفرض لاحقاً على الأرض. وأن نبتعد عن إدراك المشهد بعقلية أيديولوجيات القرن العشرين، إنما بعقلية ما تفرضه تقنيات القرن الحادي والعشرين وتأثيراتها العملية على الجانب المعنوي والثقافي والاجتماعي، وعلى السلوك السياسي وما يتعرض له من متغيرات مادية واجتماعية.
الشعارات والأقوال المطلقة والقناعات الجامدة المسبقة والمصطلحات (الثورية) لم تعد تصلح لتحليل الموقف، وكتابة مقالات أو إضاءات أيديولوجية من نزعات شخصية مزاجية لن تجدي غير إشباع حاجة شخصية للصراخ. نحن في زمن المتغيرات العلمية والتقنيات الهائلة المؤثرة في نتائج ساحات الحرب، ولسنا في ساحات حروب التحرير الشعبية أو حروب تقليدية في ساحة مواجهة محدودة المعالم، وإن العالم قد تغير ومعه تغيرت الفواعل المؤثرة إقليمياً ودولياً.
العالم العربي والشرق أوسطي الآن يشهد مقدمات تغيير خارطته الجيوسياسية، وهو يتعرض لمشاريع جدية ومهددة لاستمرار وحداته السياسية القائمة، وهي من أبرز النتائج المحتملة في هذه الحرب، وهي الأهم بين جميع السيناريوهات المطروحة كحالة طبيعية لأية حرب كبرى كهذه الحرب المتداخلة إقليمياً وعالمياً، حيث حروب الطاقة والاقتصاد وصراع التقنيات والتغييرات الجيوسياسية والجيواقتصادية.
وإن الفاعلين فيه عملياً هم الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن تركيا وإيران ومعهم باكستان، الوسيط القوي الذي يرى في انهيار إيران مقدمة للإحاطة بها من قبل إسرائيل والهند، دون أن نغفل الدور الصيني والروسي وارتباط مصالحهما بطبيعة الحرب الاقتصادية بامتياز، وما تتركه من متغيرات على ممرات وسلاسل التجارة العالمية. أمّا بقية عوالم الشرق الأوسط (العالم العربي)، فلا يبدو لهم دور الفاعل، إنما ساحة توزيع النفوذ والمغانم.
إن بقاء إيران بقدرتها التقليدية وبأذرعها في العالم العربي سيكون الدافع الأكبر للبلدان العربية للانخراط في المشروع الإبراهيمي، وهو أمر يحتاج منا المزيد من التركيز في مستقبل المشروع الإسرائيلي في سيناريوهاته الثلاثة: (انهيار إيران، أو انتصارها، أو استمرار مشروعها المهدد لعموم العالم العربي ومشرقه بشكل خاص ضمن ما يقصده مبدأ ولاية الفقيه).
بعبارة أخرى، فإن العالم العربي –في ظل فشل بديل عربي فاعل– يتعرض لمشاريع كل منها أخطر من الآخر، أو على الأقل هي متوازية في مخاطرها، كونها جميعاً تستهدف الوجود العربي، سواء بالنظرية الصهيونية، أو نظرية ولاية الفقيه المهددة لوحدة المجتمعات العربية، أو وفق نظرية الهيمنة الأمريكية على مجمل الشرق الأوسط وفرض تبعيته لها. ولطبيعة الدور الإيراني المتخادم مع المشاريع الأخرى، تكون إيران قد أدت دورها بشكل كامل عن قصد أو بالتوظيف للدور، ولكن هل استُنفد هذا الدور لتأتي صفحة أخرى لن تكون فيها إيران لاعباً إقليمياً كبيراً؟
لذلك نعود للسؤال: ماذا لو كانت الحقيقة غير التي ننظر إليها على الشاشة، وأن التخادم ما يزال يؤتي ثماره لغير صالح العالم العربي؟ والسؤال الأهم من ذلك: ما الذي أعددناه في مواجهة أي من السيناريوهات أعلاه؟ فإن لم نكن قد أعددنا العدة لكل حال فإننا المنهزمون الوحيدون على الساحة.
المشهد العام الذي نراه أمامنا أن إيران ما تزال قائمة وبقدرات مهددة وفاعلة رغم الدمار الذي أصابها، وهنا لا بد أن نتذكر أن ما حل من دمار في إيران في هذه الحرب يعد متواضعاً أمام الدمار الشامل الذي تعرض له العراق في حرب عام 1991، حيث تفاعلت قدرات 33 دولة مجتمعة ضد العراق الذي كان وحيداً في الساحة، ورغم ذلك ظل واقفاً لغاية احتلاله عام 2003؛ فهل سيتكرر السيناريو مع إيران؟
وإن الأذرع الإيرانية ما تزال فاعلة وفي المقدمة منها حزب الله في لبنان، الذي ما يزال يرتهن الدولة اللبنانية ويسوقها نحو حروب تدميرية كما يشاء وكما تشاء له إيران، الأمر الذي ينتج سيناريو الحرب الإقليمية المحتملة طالما بقيت إيران فاعلة في المشرق العربي.
وقد أكدت مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية ذلك بفقرة واضحة، مدعومة بفقرة وقف الحرب على جميع الجبهات والمقصود بها الساحات العراقية واليمنية وغيرها، وهي بحد ذاتها –وخلافاً لاحترام مبدأ السيادة للبلدان– تشكل إقراراً بطبيعة التدخل الإيراني في هذه الساحات، بدلاً من الاشتراط عليها بإنهاء هذا التدخل في الشأن الداخلي لدول ينبغي أن تكون مستقلة.
بلدان الخليج العربي قدراتها محدودة على المطاولة في أية حرب مع إيران كما تأكد في هذه الحرب، رغم تواجد القواعد الأمريكية على أراضيها فضلاً عن إنفاقها العسكري الواسع، ولذلك هي مجبرة على تجنيب نفسها مغامرات ترامب وإسرائيل، في ذات الوقت الذي تعرف فيه أنها بأمس الحاجة للحماية الأمريكية بعد أن فقدت رصيدها الاستراتيجي وهو العراق، الذي ظل يكف عنها الأذى رغم الخطأ الاستراتيجي في غزوه الكويت.
في ضوء ذلك، فإن تأثيرات الحرب ونتائجها الحقيقية قد لا تبدو واضحة تماماً في النتائج المعلنة حتى الآن، إنما بما ستؤول إليه الأمور من مرتسمات في خرائط العالم العربي والشرق الأوسط.
((المقالات المنشورة تعبر عن آراء كتابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر المؤسسة الإعلامية))
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن